إن الذي يؤخذ بعين الاعتبار هو رأي الأغلبية فقط . بحيث أهمل رأي المجتمعات الصغيرة . وتكوّن بذلك « إجماع العلماء » الذي يمثل السيطرة المشتركة للمذهب الذي يصل إليه كل جيل ويعبر عن الوجه الثاني للسنّة الحية المتزامنة
Synchronique
لكل مدرسة على حدة « 1 » . وقد عبّر عن كيفية عمل هذا الإجماع أحد علماء البصرة بقوله : « كلما التقيت مرة في مكان الدرس بجيل من العلماء الباحثين الذين يساندون في أغلبيتهم ذات الرأي ، فإنني أطلق على ذلك « الإجماع » سواء أكان السابقون لهم متفقين معهم في هذه النقطة أم لم يتفقوا . لأن الأغلبية لا تتفق على نقطة وهي تجهل مذهب السابقين حولها . ولأنهم لا يتركون المذهب السابق مثلا بسبب نسخ مقرر في القرآن أهمل من قبل السابقين لهم ، أو لأنهم يمتلكون حججا أكثر أفضل منهم حتى لو لم يقرّروا ذلك » « 2 » . أمّا في التطبيق العملي فإن القرار الذي سيحدّد بموجبه المعيار متروك إلى الجيل الأخير الذي يمثل كذلك مدرسة فقهية على حدة .
وهكذا يختلف إجماع الفقهاء عن إجماع عامة المسلمين في عدة نقاط أساسية ، ذلك أن إجماع الأمة الإسلامية يغطي العالم الإسلامي بأجمعه طبقا لما تمليه الضرورات ، ولكنه إجماع مبهم غامض وعام بينما يكون إجماع العلماء محدّدا جغرافيّا بمركز المدرسة الفقهية المعنية ، وهو دقيق في تفاصيله ، ومتسامح ، وغير مقتصر عليها ، ويعترف بوجود مذاهب أخرى في مراكز جغرافية أخرى . وهذان النوعان من الإجماع معترف بهما من قبل المدارس الفقهية القديمة على الرغم من أن اكتساب إجماع العلماء له أهمية عملية يسمو بها على إجماع عامة المسلمين . إنه من الطبيعي اعتبار إجماع المسلمين متحصنا من الخطأ ، الأمر الذي لا يمكن الإقرار به بصورة مطلقة لإجماع العلماء . وهذا المفهوم الذي أعدّ بعناية فائقة لا يخلو من التأثير الأجنبي فيه « 3 » .
عالج « شاخت » الفكرة الآنف بيانها بعمق كبير في كتابه الآخر : « أصول الشريعة
هامش
( 1 ) بتصرف .Ibid , op . cit , p . 36 .( 2 ) لم ينسب شاخت هذا القول إلى صاحبه .Ibid , op . cit , p . 36 .ولم يبين لنا المصدر الذي استقى منه معلوماته ، فكانت ترجمتنا حرفية لما أشار إليه ثم وجدنا هذا القول للإمام الشافعي ، انظر كتاب شاخت ، أصول الشريعة المحمدية ، ص 86 .
( 3 )Ibid , op . cit , p . 37 .