منهم تقليده أو ترسم خطاه ولكنه يدعوهم إلى الاعتراف بسنّة الرسول والاقتداء بها .
ثم يسهب « شاخت » في بيان كيفية تكوين مدرستي « مالك وأبي حنيفة » الفقهية ، ويرجع أسبابها - كما أسفلنا - إلى العوامل الجغرافية ، ويستشهد بما رواه الشافعي من أنه « ليس في بلد إلا وفيه من أهله الذين هم بمثل صفته ومن يدفعونه عن الفقه ، وينسبونه إلى الجهل ، أو أنه لا يحلّ له أن يفتي ، ولا يحل لأحد أن يقبل قوله ، وعلمت تفرّق أهل كل بلد بينهم ، ثم علمت تفرّق كل بلد في غيرهم ، فعلمنا أن من أهل مكة من كان لا يخالف قول عطاء ، ومنهم من كان يختار عليه ، ثم أفتى الزنجي بن خالد فكان منهم من يقدّمه في الفقه ، ومنهم من يميل إلى قول سعيد بن سالم ، وأصحاب كل واحد من هذين يضعفون الآخر ، ويتجاوزون القصد ، وعلمت أن أهل المدينة كانوا يقدّمون سعيد بن المسيب ثم يتركون بعض قوله . ثم حدث في زماننا . منهم مالك كان كثير يقدمه وغيره يسرف عليه ، ويضعف مذاهبه . وقد رأيت ابن أبي الزناد يجاوز القصد في ذمّ مذاهبه ورأيت من يذمّهم . ورأيت بالكوفة قوما يميلون إلى قول ابن أبي ليلى ويذمّون مذاهب أبي يوسف ، وآخرين يميلون إلى قول أبي يوسف ويذمّون مذاهب ابن أبي ليلى ، ومن خالف أبا يوسف ، وآخرين يميلون إلى قول الثوري ، وآخرين إلى قول الحسن بن صالح . . . » « 1 » . فالعوامل الجغرافية هي التي أدّت إلى ظهور المدارس الفقهية ، وقد توزّعت هذه المدارس بين العراق والحجاز وسوريا .
وانقسمت المدارس العراقية إلى مدرستي الكوفة والبصرة . وفي الحجاز هناك مركزان أساسيان للفقه وهما المدينة ومكة ، وشهرة المدينة تعود إلى معرفة معلومات عنها أكثر تفصيلا من تلك التي عرفت عن مكة . وأما المدرسة السورية فإن الإشارة إليها تبدو نادرة ولكن هناك وثائق صحيحة تبرهن على أن رئيسها هو « الأوزاعي » « 2 » .
أما بالنسبة إلى النقطة الثانية التي أشار إليها « شاخت » من قيام هذه المدارس الفقهية بتحويل التطبيقات الشعبية الأموية وأنظمتها الإدارية إلى قواعد فقهية ، فقد فصل فيها القول في كتابه « أصول الشريعة المحمدية » « 3 » وذلك طبقا لما أوردنا لك تفصيلا في المطلب السابق .
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 6 .( 2 ) باختصار شديد .Ibid , op . cit , p . 7 - 9 .( 3 )Ibid , op . cit , pp . 213 - 223 .