شيء قليل « 1 » . ويورد « شاخت » أمثلة فقهية عن الإمام أبي حنيفة تتعلّق بكيفية استخدامه للحيل وهي إحدى مميزاته التشريعية التي برز فيها وقعّد لها القواعد . ومع ذلك فإن « شاخت » لا يصدق مثل تلك الأمثلة ويراها مفتراة وموضوعة أريد بها تعظيم حكمة أبي حنيفة ، ويراه في النهاية فقيها عمليّا كثير الحيل ، حتى إن الجيل الذي تلاه بالغ في وصفه بتلك الصفة التي لا بد من أن تكون قد بدت له من خصائص أبي حنيفة الشخصية بالحكايات الموضوعة : ومن الغريب ملاحظة أنه في زمن متأخر صار أبو يوسف هو الذي اشتهر عن القصاص بأنه مثال الفقيه المبتكر للحيل العملية « 2 » ، ولعلّ « شاخت » يشير هنا إلى تلك القصص المبثوثة في كتاب « ألف ليلة وليلة » والمنسوبة إلى أبي يوسف .
أما بالنسبة إلى صاحب المذهب الحنبلي فإنه أشار إلى قول بعض فقهاء المسلمين فيه : إنه محدث أكثر منه فقيها ، ولكن برجوعه إلى « كتاب المسائل » الذي يشتمل على أجوبة الإمام « أحمد بن حنبل » عن المسائل التي وجّهت إليه في جميع أبواب الفقه ، كما يشتمل كتاب « المدوّنة الكبرى » على أجوبة « مالك بن أنس » ، رجح عنده أنه كان فقيها أيضا بجانب كونه محدثا ، لأنه كما يعلّم مذهبا فقهيّا مفصلا لا يقتصر على شرح الأحاديث . واعتبر « شاخت » كتابه « المسند » لا يقتصر على مجموع الأحاديث التي جمعها فحسب ولكنه كان كتابا وضع فيه الإمام « أحمد » الأساس الحقيقي لمذهبه الفقهي « 3 » .
ويذهب « شاخت » في كتابه : « مدخل إلى الفقه الإسلامي » إلى أن المسلمين الثقات المتخصصين قد ازدادوا عددا وترابطا ، وقد تحوّلوا خلال العقود الأولى من القرن الثاني الهجري إلى تكوين « المدارس الفقهية القديمة » . وهذا المصطلح لا يعني في حدّ ذاته تنظيما محددا ولا توافقا مطلقا حول مذهب واحد داخل كل مدرسة فقهية ، ولا تعليما منظما ، ولا تنظيما رسميّا بل ولا وجودا لمجموعة تشريعية طبقا للمعنى الغربي للكلمة . ذلك أن أعضاء هذه المدارس هم عبارة عن علماء وفقهاء تميّزوا أمام عامة المسلمين بالورع والتقوى والعلم ، وكانت أقدم المدارس الفقهية التي يمثلونها
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 103 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 105 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 107 .