القديمة والحديثة ، مبيّنا أثرها في تطوّر الفقه الإسلامي . فهو في محاضراته التي ألقاها بالقاهرة يشيد بمدرسة الشافعي الفقهية وأثرها في نشأة علم أصول الفقه الذي يرجع تأسيسه إلى الإمام الشافعي ويعتبره أول من أسس مدرسة في تاريخ الشرع الإسلامي .
ويصف منهجه في هذا الصدد بأنه قد اتجه إلى تنظيم الفقه ، والعمل بلا انقطاع على إيجاد تماسك بين الأحكام المنفردة ، وعلى التحاشي عن أي تناقض بين نتائجها الأخيرة . وعزا إليه نشأة القياس الذي يعتبر أحد مصادر الفقه الإسلامي « 1 » .
ويرى « شاخت » أن المذهبيين الحنفي والمالكي عبارة عن نزعات عامة كانت قد بدت في نواح مختلفة ، وما بينها من خلاف يرجع قبل كل شيء إلى أسباب جغرافية ومدنية عامة : إما بتنوّع القوانين العرفية المندمجة بالفقه ، وإما باتحاد العمل والعلم في نواح متماسكة ، أما اختلاف الأساليب والطرق الفقهية فليس له إلا المقام الثاني « 2 » .
ويرى « شاخت » أن هذين المذهبين المالكي والحنفي كانا في مرحلتهما القديمة يحتاجان إلى تنظيم محكم ، فهما لم يرتّبا صفوف أتباعهما إلا بتأثير المذهب الشافعي وعلى غراره ، فاختار كل واحد منهما شخصا ممتازا ينتسب إليه بينما ظلّت التسميتان الأصليتان « أهل العراق » و « أهل الحجاز » تطلقان على أصحاب هذين المذهبين حتى بعد عصر مؤسسيها المزعومين أبي حنيفة ومالك ، في حين أن أصحاب الشافعي كانوا ينعتون بهذا الاسم منذ أول الأمر « 3 » .
ويرجع « شاخت » سبب اختيار الإمام « مالك » رئيسا لمذهب الحجاز لشهرته الشخصية المتمثلة في نقده الدقيق للأحاديث ورجالها ، لا لاجتهاده التشريعي البحت ، وللنجاح العظيم الذي لقيه كتابه « الموطأ » . أما « أبو حنيفة » فإنه يشغل من حيث تطوّر آرائه مكانا أقل شأنا بكثير من مكانة أصحابه ، أبي يوسف ، وزفر ، والشيباني ، وليس لأبي حنيفة عدا « الفقه الأكبر » أي كتاب صحيح من تأليفه ، لأن مسانيده جمعت فيما بعد من أحاديث وردت في كتب أصحابه ، والأقوال الواردة عنه في مؤلفات تلاميذه لا يتجاوز غالبها المراجعات العامة ، يستندون بها إلى آرائهم الشخصية . وهذا يحمل على الافتراض أنه لا يرجع إلى اجتهاد أبي حنيفة الشخصي من تفاصيل المذهب الحنفي إلا
هامش
( 1 ) شاخت ، ثلاث محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 101 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 102 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 102 .