تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
حلف يمين المدّعي عند عدم وجود شاهدين ، فقد رفضوا هذا الحكم المؤسس على الحديث وأصرّوا على شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، ولم يوافقوا على استبدال الشهادة القولية بوسيلة أخرى « 1 » . والحقيقة أنّ الفقهاء المخالفين لأبي حنيفة وأتباعه يطالبون في المنازعات المالية بشاهد واحد ويمين المدّعي في حالة عدم وجود شاهدين أو شاهد وامرأتين وليس كما ذهب إليه جولدزيهر . وبعد أن يتعرّض « جولدزيهر » بإسهاب إلى كيفية لجوء الفقهاء إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والتطبيقات العملية التي وسعوا بموجبها دائرة العمل الفقهي وذلك بالتوسيع على الناس وعدم التضييق عليهم ورفع الحرج عنهم في المسائل العملية حتى يصل في نهاية بحثه إلى نتيجتين يراهما ضارّتين ، إحداهما : سيادة روح التدقيق والتفصيل في العراق ، وظهور الفقه المبني على الخيال والعناية في إيجاد مسائل في الحيل ، الأمر الذي أدّى - حسب قوله - إلى ضياع شرح كلام اللّه ، وتقنين الحياة حسب ذلك « 2 » . وهذا الرأي صحيح لأنه مبني على كثرة تفريع هذه المدرسة للمسائل ، حتى جرتها هذه الكثرة إلى تفريع المسائل الخيالية ، وقد قادها إلى ذلك كثرة الأسئلة والجري وراء الفروض ، فقد كان الدارسون يعرضون على فقهائهم قضية ، فيبدون فيها حكما ، ثم يفرعون منها مسألة أخرى بقولهم : أرأيت لو كان كذا ؟ ثم يولّدون منها مسألة ثالثة ، وهكذا دواليك ومن هنا أطلق عليهم أهل الحديث ب « الأرأيتيين » . وثانيهما : أن رجحان المجهودات ذات الطابع الفقهي ، والعمل التفصيلي لمسائله في العلوم الفقهية قد أعطيا تعاليم الإسلام الطابع الفقهي تدريجيّا . وتحت تأثير هذه الطريقة أصبحت الحياة الدينية نفسها موضوعة تحت النظرة الفقهية ، التي لا يمكن بالطبع أن تكون نافعة لتقوية التقوى الصحيحة والمعرفة الإلهية . إلا أن « جولدزيهر » يقرّر في النهاية أنه لم يعدم وجود علماء أقوياء جادين ، رفعوا أصواتهم لكي يحكموا بشدة على هذا البعد عن المبدأ الديني الذي أظهره الإسلام عند نشأته الأولى . وقد كان لهذا أثره ، فأنقذت الحياة الدينية الداخلية من هذه المناقشات اللفظية الفقهية « 3 » . تعرّض « شاخت » بإسهاب في كتبه وأبحاثه المختلفة إلى نشأة المدارس الفقهية
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 57 والأسلوب من عندنا . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 63 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 66 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 339 | ساسي سالم الحاج