تهتم بروح الفقه الديني في هذا العصر ، بل شمل هذا الاهتمام بقية المراكز العلمية المبثوثة في الأقاليم الإسلامية الأخرى خاصة فيما بين النهرين ، ومن هنا اتسعت في أجزاء الدولة البعيدة ، وتطوّرت في ظلال الخلفاء دراية علم الفقه ، وحمل الناس الحديث هنا وهناك ، وأخذ الناس يستنتجون - مما هو عندهم - مبادئ وأحكاما جديدة « 1 » .
ويؤكد « جولدزيهر » اختلاف وجهات نظر الفقهاء ومناهجهم طبقا لما يعطي للحديث من أهمية ، وطبقا للاستنباطات المختلفة منها ، كما أن العادات السائدة في الأقاليم والحقوق العرفية ساعدت على اختلاف الأحكام في القضية الواحدة وأدّت هذه الاختلافات إلى ظهور مدارس ابتعدت عن بعضها في تفصيلات الأحكام وفي المناهج التي تسلكها فسمّيت هذه المدارس مذاهب فقهية وليست فرقا « 2 » .
ويصف « جولدزيهر » احترام هذه المذاهب بعضها لبعض ، ولم يظهر التعصّب المذهبي إلّا عندما ازداد العجب بين الفقهاء ، الأمر الذي كان موضع لوم أهل الجدّ منهم ، وهذا الاحترام والتسامح أدّى بالعلماء إلى تغيير مذاهبهم من وقت لآخر لأن هذا التغيير لا يتناول المسائل الدينية ، ولا يرتبط بشكل معيّن من الأشكال . وهكذا بقيت في نهاية الأمر مذاهب أربعة تتقاسم العالم الإسلامي « 3 » .
يرى « جولدزيهر » أنه خلال هذا العصر يمكن الحديث عن أصل كبير من أصول الفقه الإسلامي يمثّل فكرة تطوره ، ويصوّر العنصر الموفّق للانقسامات الظاهرة بين المذاهب ألا وهو « الإجماع » .
وبعد أن يرد « جولدزيهر » الأسس التي يقوم عليها الإجماع كالأحاديث النبوية طبقا للنظرية الإسلامية ، ويشكك في الدليل القرآني الذي قيل : إن الشافعي قد وجده بعد أن اعتكف بداره ثلاثة أيام وهي الآية الكريمة التي فهم منها حجية الإجماع :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
« 4 » . يرى أن هذا الأصل قد تعزّز لدى المسلمين عندما اعتبروا
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 49 . بتصرف .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 50 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 50 - 51 بتصرف كبير .
( 4 ) سورة النساء ، الآية : 115 .