بالبصرة ، وهشيم بن بشير بواسط ، وعبد الرحمن الأوزاعي في الشام ، ومعمر بن راشد في اليمن ، وعبد اللّه بن المبارك في خراسان ، وجرير بن عبد الحميد بالري « 1 » .
ثمّ دوّنت السنّة على أساس المسانيد وهو جمع الأحاديث التي جاءت من رواية راو معيّن كتلك التي رواها عمر وعائشة وأبو هريرة وأطلقت عليها مسانيد منسوبة إلى رواتها وأهم هذه المسانيد جميعها مسند ابن حنبل .
ثمّ دوّنت السنّة أخيرا على طريقة المواضيع ، ولكن مع التحرّي الدقيق بصحتها ككتب الصحاح الستة . وهذا النوع من التدوين يمتاز بجمع الكثير من المرويات لأنها جاءت بعد شيوع الرواية ، واستخراج كل محدث ما عنده من الأحاديث لحاجة المسلمين إليها في معرفة أحكام اللّه . وامتاز كذلك بتمحيص الحديث وبيان الصحيح من الموضوع ، وقد أدّت هذه الطريقة في النهاية إلى نشأة « علم الجرح والتعديل » الذي يعتبر من المناهج الإنسانية الخالدة في التثبت من المعلومات الصحيحة ونقض المفاهيم الباطلة ودحضها . وقد طبقه علماء المسلمين على الأحاديث حتى يميّزوا الصحيح من الموضوع وتناول هذا المنهج أسانيد الأحاديث ومتنها على حدّ سواء .
وهكذا أصبحت السنّة علما مستقلّا في هذه المرحلة وساعدت على تطوّر الفقه وتقدمه وازدهاره لركون الفقهاء إليها واستخدام النصوص الصحيحة منها في استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية .
ولم تقتصر مميزات هذا العصر على التفسير الفقهي للقرآن أو تدوين الأحاديث وجمعها والتمييز بين صحيحها وموضوعها ، ولكنها تعدّتها إلى مناح أخرى كان لها أكبر الأثر في تطور الفقه من جهة ، وفي ظهور المدارس الفقهية الكبرى من جهة أخرى ؛ أهمها على الإطلاق ظهور « علم الأصول » الذي استخدمه الفقهاء كمنهج علمي صارم لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . وهذا العلم يحتاج إلى بيان كاف لأهميته القصوى في تطور علم الفقه سنتعرّض له في مطلب خاص به .
وبجانب ذلك ظهرت علوم أخرى ساعدت على تطوّر الفقه منها : اللغة والنحو ، والبلاغة والأدب ، وعلم الكلام ، والفلسفة والفلك وغيرها من العلوم التي ساعدت على ازدهار الفقه وتطويره ليساير المستجدات والنوازل ويقدم لها الحلول الناجعة .
هامش
( 1 ) الشيخ محمد الخضري ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 151 .