تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
إن العوامل الآنف بيانها ساعدت على ازدهار الفقه وتطوّره وجعلته علما قائما بذاته يسير في خطى حثيثة نحو الكمال ، فتتضح حدوده ، وتتبيّن معالمه ، وتتبلور مسائله حتى أصبح علما مستقلّا لوحده ، له علماؤه ومختصّوه والقائمون بشأنه . فلمّوا شتاته ، وقعّدوا قواعده ، وجذّروا أصوله ، وفرّعوا قضاياه ومسائله مستخدمين في ذلك تفسير الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية مستنبطين منها عن طريق الاجتهاد بالرأي القواعد الفقهية العلمية وبذلك أصبح للمسلمين علم قائم بذاته أطلق عليه « علم الفقه » . وفي هذا العصر بالذات ظهرت المدارس الفقهية الكبرى التي تميّزت في مناهجها بالأخذ بمصادر الفقه المختلفة طبقا لاجتهادات علمائها ، مع استنادات كما ذكرنا إلى مدرستي الرأي والحديث القديمتين . وكان اختلافهما راجعا إلى مقدار أخذهما بالرأي وقربهما أو بعدهما منه ، أو أخذهما بالحديث واستنادهما بصورة أساسية إليه . فهذا الإمام أبو حنيفة يأخذ بالرأي ويتوسع فيه كثيرا ولكنه لا يهمل الأحاديث بصورة مطلقة . وهذا داود الظاهري ينكر الرأي ويأخذ بالنصوص دون غيرها ، وبين هذين الرأيين ظهرت المدارس الأخرى التي توسّطت بينهما كالمدرسة المالكية والشافعية والحنبلية . ولكن نظرا لاختلاط العلماء ، ورحلتهم إلى الأمصار المختلفة طلبا للحديث والعلم والفقه وكثرة المجادلات العلمية بينهم ، تطوّرت هذه المدارس الفقهية حتى فقدت الكثير من خصوصياتها وزالت الحدود الفاصلة بينها حتى ذهب بعض العلماء إلى تصنيف مدرسة أبي حنيفة ومالك والشافعي بمدرسة الرأي ، وتصنيف مدرسة ابن حنبل بمدرسة الحديث كما ذهب ابن قتيبة إلى هذا التصنيف « 1 » . وذهب الشهرستاني إلى تصنيف أبي حنيفة من مدرسة الرأي وتصنيف مالك والشافعي وابن حنبل من مدرسة الحديث « 2 » . أما نحن فنرى أن الشافعي لا يمكن تصنيفه من إحدى هاتين المدرستين لأنه جمع في الحقيقة بينهما طبقا للنتائج العلمية التي توصلنا إليها في بحثنا « 3 » . بعد أن عرضنا السمات الأساسية لهذا العصر الذي نؤرخ له ، والذي حاولنا أن نعطي للقارئ من خلالها الأسباب الرئيسة التي قادت إلى نشأة المدارس الفقهية
هامش
( 1 ) ابن قتيبة ، كتاب المعارف ، ص 216 وما بعدها . ( 2 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ص 16 . ( 3 )HADJ , Sassi salem , origines et developpement de la science d'usul al - fiqh chez al shafci ; et Ghazali , there de doctorat , Paris - sorbonne , 1984 .