الصحابة عندما كانوا يفزعون إلى الآيات القرآنية لاستنباط الأحكام الشرعية منها . وقد كان لهذا التفسير أثره في اختلاف الأحكام كما ذكرنا لاختلاف المفسّرين على الحكم المستنبط من القرآن ، ومع ذلك فقد أدى هذا التفسير إلى تطور الفقه والدفع به خطوات حثيثة إلى الأمام .
أما في هذه المرحلة التي نؤرّخ لتطوّر الفقه فيها ، وهي مرحلة قيام المدارس الفقهية ، فقد جدّت حوادث جديدة للمسلمين لم يسبق لمن تقدمهم حكم عليها فأخذ كل فقيه يبحث عن حلول لهذه المشاكل المستجدة طبقا لنصوص القرآن والأحاديث النبوية ثم يصدر حكمه عليها بما ينقدح في ذهنه ويعتقد أنه هو الحق ، وكان الفقهاء يتفقون في هذه الحلول ويختلفون .
وقد كان لظهور الفرق الإسلامية أثره في اختلاف التفسير الفقهي للقرآن ، فكل فرقة تحاول تطويع النصوص لمبادئها ومعتقداتها ، فللخوارج تفسير ، وللشيعة تفسير ، وللمعتزلة تفسير ، ولأهل السنّة تفاسير . إلّا أن الباحث المدقّق يمكنه ملاحظة عدم ظهور تفاسير فقهية معتبرة في هذه المرحلة التي نتناولها بالدرس والتحليل اللهمّ إلّا متفرّقات مأثورة عن فقهاء الصحابة والتابعين يرويها عنهم أصحاب الكتب المختلفة .
أما بعد هذه المرحلة فقد كثرت التفاسير الفقهية التي أثّرت بكل تأكيد في تطوّر الفقه كتفسير أبي بكر الرازي الجصاص ، وكتفسير أبي الحسن الطبري المعروف بالكياالهراسي الموسوم « بأحكام القرآن » . وتفسير أبي بكر بن العربي المعروف « بأحكام القرآن » ، وتفسير أبي عبد اللّه القرطبي المعروف ب « الجامع لأحكام القرآن » وغيرها من التفاسير الشيعية الفقهية الأخرى « 1 » .
تميّز هذا العهد بالإضافة إلى التفسير الفقهي للقرآن بتدوين السنّة بعد أن كانت متفرقة محمولة في صدور الرواة والعلماء . ولكننا أشرنا في الجزء الأول من كتابنا إلى الآراء التي رجحت هذا التدوين إلى عهد مبكر وهو عهد الرسول والخلفاء الراشدين .
ومع ذلك فإن التدوين الرسمي بدأ في هذا العهد ، فأخذ العلماء يضمّون الأحاديث ذات الموضوعات الواحدة بعضها إلى بعض كأحاديث الصلاة ، وأحاديث الصيام وما شابه ذلك . وأول من ينسب إليه هذا الفضل الإمام « مالك » صاحب الموطأ في المدينة ، وابن جريج بمكة ، وسفيان الثوري بالكوفة ، وحماد بن سلمة ، وسعيد بن أبي عروبة
هامش
( 1 ) د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 436 - 437 .