تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
باتساع الحضارة الإسلامية ورقيّها وازدهارها وبلوغها شأوا من التقدّم بحيث أصبحت رائدة الحضارة الإنسانية بعد أن تمثلتها جميعها وصهرتها في بوتقة الحضارة العربية الإسلامية التي استوعبت حضارة الهند والفرس واليونان والرومان . وقد أدّى هذا التطور الحضاري الخصب إلى تطوّر الفقه الإسلامي وازدهاره وسلوكه مناهج جديدة في التعليل والاستنباط أدّى إلى وصوله إلى الذّرى في عهد الأئمة المجتهدين الذين نؤرّخ لتطوّر الفقه في زمانهم . لقد أدّى انتشار الحضارة العربية الإسلامية إلى الاطلاع على الثقافات الإنسانية السابقة في جميع مجالات الحياة الخاصة في ميدان الفلسفة والرياضيات والسياسة والاقتصاد ، إلا أن مجال الفقه لم ينل من هذا الازدهار المذهل إلّا النزر اليسير ، لأنه عبارة من علم عربي إسلامي لم يستفد كثيرا من هذا الامتزاج الحضاري العالمي في عهد الدولة العباسية مهما قيل من تأثّره بالقانون الروماني أو بتعاليم الديانتين اليهودية والمسيحية . ولكن الفقه الإسلامي استفاد من هذه النهضة الحضارية من خلال الاهتمام بالعلوم الإسلامية الخالصة التي تعزّزت بالمدارس الفلسفية المختلفة بعد أن دخل علم الكلام مجال الجدل والمناظرة واستتبع ذلك حتما دخول هذا العنصر الكلامي إلى الفقه الإسلامي الذي ساعده على تقعيد القواعد الفقهية وتطويرها بما يلائم هذه الحركة الحضارية الواسعة ، ففي هذا العهد زاد الاهتمام بالدراسات القرآنية ، فانتشر حفاظ القرآن في جميع الأقطار الإسلامية وظهر على إثرها علم القراءات الذي تعرّضنا له في الجزء الأول من كتابنا . وفي هذا العهد وقعت العناية بتفسير القرآن الكريم بالمعنى العلمي للمصطلح ، بعد أن كان يفسّر من خلال الأحاديث النبوية ، ومن خلال الصحابة . وقد بدأ العلماء يدوّنون التفاسير القرآنية المأخوذة عن ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم ، حتى وصل هذا التدوين التفسيري إلى ذروته عند ابن جرير الطبري الذي أخرج لنا عبقريته في التفسير بالمأثور الذي يعتبر أعظم تفسير للقرآن على مرّ العصور . ثم تتالت التفسيرات الأخرى بعده وهي موصومة بمناهج مفسّريها كالتفسير الصوفي ، والتفسير المعتزلي ، والتفسير الشيعي ، والتفسير العلمي ، وقد كان للفقه نصيب في هذه التفسيرات فكثير من الآيات فسّرت طبقا لما يتطلّبه الفقه من حلول لقضايا ونوازل منظورة يستعان بها في إيجاد أحكام لها عن طريق تفسير هذه الآيات . بل إنه ظهر إلى عالم التفسير ما يمكن أن نطلق عليه علميّا تفسير الفقهاء الذي بدأ فعلا منذ عهد