تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
لقد كان منشأ الاختلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي ، اختلاف الصحابة في العصر الأول في المسائل الاجتهادية التي لا تنظمها نصوص قرآنية أو حديثية ، مع أنهم كانوا لا يتوسعون كثيرا في استخدام الرأي ، ويضيقونه في أضيق نطاق . وكان بعض منهم لا يتعدّى ما يستنبطه من الأحاديث فلا يتجاوزها ، وبعضهم الآخر يستخدم عقله في إطار المصلحة التي تبنى عليها الأحكام الشرعية فكانوا إذا لم يجدوا نصّا صريحا في قضية مطروحة أمامهم قالوا فيها برأيهم . أما أصحاب المنهج الأول فهم « أهل المدينة » وسمّوا بأهل الحديث ، وأما أصحاب منهج الرأي فهم من العراقيين وأطلق عليهم أهل الرأي . فالأوّلون يقفون عند ظواهر النصوص بدون بحث في عللها وقلّما يفتون برأي ، والآخرون يبحثون عن علل الأحكام وربط المسائل بعضها ببعض ولا يحجمون عن الرأي إذا لم يكن لديهم أثر « 1 » . ولكن الحقيقة أن الاختلاف بين المدرستين لم يكن بذلك العمق الذي صوّره لنا « جولدزيهر » في كتابه « دراسات محمدية » فأهل الحديث وإن كانوا يعتمدون في المقام الأول على الأحاديث النبوية وغالبيتهم من سكان المدينة وباعتبارها مهبطا للوحي السماوي ودار إقامة للرسول حتى وفاته فيها ، واتخاذها عاصمة للمسلمين في العصور الأولى للإسلام ، فقد استند علماؤها إلى الحديث لهذه الأسباب ، كما أنهم أوجدوا ثروة عظيمة من أسانيد الأحكام ، فكان أهل الحجاز كلما جدّت لهم حادثة يجدون حكمها فيما عندهم من الآثار ، ولم يجدوا حاجة إلى استعمال الرأي ، ومما ساعد على ذلك طبيعة الحياة البدوية بالحجاز التي تقلّ فيها المشاكل لندرة ما يعرض عليهم من الأقضية والفتاوى التي لم تقع في عهد الصحابة ، الأمر الذي زهّد أكثرهم في الرأي وحال بينهم وبين النظر في مقاصد الأحكام وعللها . ولكن أهل الحديث قد استخدموا الرأي في بعض القضايا التي طرحت عليهم ، ولم ينبذوه جملة وتفصيلا ، اللهمّ إلّا أصحاب المذهب الظاهري الذين أنكروا استنباط الأحكام عن طريق القياس ، ولم يأخذوا إلا بظواهر النصوص فجمد الفقه عندهم ولم يتطوّر إلى الأفضل والأمام . أما بالنسبة إلى أهل الرأي فقد نسبوا إلى العراق ، فازدهر الفقه في مدنه كالكوفة والبصرة ، وكانت الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية إبّان خلافة الإمام عليّ فنزل بها الكثير من الصحابة كابن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص ، وعمّار بن ياسر ، وأبي
هامش
( 1 ) الشيخ محمد الخضري ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 120 .