تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
الجنائز ، وإضاءة الشموع على المقابر . وغير ذلك من الأمور المحرّمة شرعا لما يترتب عليها من المفاسد الدينية والاجتماعية الثابتة التي لا تتغيّر بتغيّر الظروف والعادات « 1 » . كما أن اتفاق العلماء على اعتبار الأعراف الصالحة والاعتداد بها في الاستنباط وتشريع الأحكام من الأمور المعروفة والمشهورة والمباحة شرعا . خاصة إذا كانت هذه الأعراف لا تخالف دليلا من الأدلّة الشرعية ولا قاعدة من قواعده الأساسية ، كتعارف الناس على العديد من العادات التجارية والخطط السياسية والأنظمة القضائية والاجتماعية التي تتطلّبها حاجاتهم وتستدعيها مصالحهم . ومن هنا كان الإسلام أقرّ الكثير من الأمور التي تعارف عليها العرب قبل الإسلام ، بعد أن نظمها لهم كالبيع والرهن والإجارة والزواج ، وفرض الدّية على عاقلة القاتل ، وبناء الإرث والولاية في الزواج على العصبية . هذا هو العرف الذي طبّقه فقهاء المسلمين وعملوا به في قضائهم وفتاواهم وأحكامهم وليس ذلك الذي عناه المستشرقون بمطلق العرف سواء أكان الذي في الجاهلية مهما كان نوعه أو ذلك الذي وجده المسلمون في الأراضي المفتوحة فأخذوا به دون أن يطوعوه إلى أحكام الشرع . وهكذا فإن الغرض من المصادر الخصبة إلى التشريع والقضاء والفتوى ، وفي اعتبار الشريعة والفقهاء له على هذا الوجه دليل على خصوبة الفقه الإسلامي وفتوّته وجدارته للحكم بين الخلق في أي زمان كانوا وفي أي مكان وجدوا حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها « 2 » . وإذا كان « شاخت » أشار إلى أهمية عصر فقهاء المدينة السبعة في تطور الفقه ، فإنه لم يفصل فيه القول تفصيلا ، ولكنه أورد شذرات عن مصدر الفقه في هذا العصر المتمثل في القرآن والسنة والقانون العرفي الجاهلي ، ثم انتقل إلى بيان مصادر الفقه الكبرى في هذا العصر وحدّدها بموطإ الإمام مالك مع وصفه الأحدث تاريخيّا ، وكتاب « اختلاف الفقهاء » لابن جرير الطبري ، وكتاب « أخبار القضاة » لأبي بكر وكيع القاضي . وأنت ترى أن هذه المصادر لم تكن نتاج العصر الأموي الذي ظهر فيه فقهاء المدينة السبعة ، وإنما كان نتاج العصور التالية له ، وإن كانت تعطي لمحة واضحة عن تطوّر الفقه في هذا العصر الذي نؤرّخ له ، ولكن يجب على « شاخت » منهجيا ألا يذكرها في هذا السياق ، وعليه أن يضعها في سياقها طبقا للتسلسل الزمني لها . كما أن « شاخت »
هامش
( 1 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 182 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 187 .