وغيره من المستشرقين الذين عرضنا عليك آراءهم حول تطوّر الفقه في هذه المرحلة لم يبيّنوا لنا خصائص هذا الفقه ومميزاته وظهور مدرستي الحديث والرأي في إطاره ، وكل ما عالجوه في مباحث متفرّقة خصائص فقه الفرق الإسلامية التي ظهرت في ذلك العهد طبقا لما أسلفنا لك بيانه . وعلينا من الناحية المنهجية أن نشير إلى هذه الخصائص حتى نستكمل الموضوع من جميع جوانبه ونتلافى النقص الذي شاب دراستهم .
لقد تميز هذا العصر الذي نؤرّخ لتطوّر الفقه في زمانه بالصراع السياسي على السلطة الذي أدّى إلى انقسام المسلمين إلى شيع وأحزاب متناحرة متنافرة متنافسة .
وأدّى هذا الانقسام السياسي إلى ظهور فقه خاص لكل فرقة من الفرق الإسلامية التي أشرنا إليها في إبانها . وكان لهذا الانقسام السياسي أثره على استنباط الأحكام الشرعية واختلاف مصادرها إلى يوم الناس هذا . الأمر الذي أدّى إلى إثراء الفقه الإسلامي من جهة ، كما أدّى إلى تعميق الخلافات الفقهية من جهة أخرى .
كما تميّز هذا العصر بتفرّق علماء المسلمين في الأمصار الإسلامية . فقد غادر الصحابة المدينة بعد وفاة عمر ، وبعد انتقال الثقل السياسي منها إلى الأقاليم الإسلامية المفتوحة كالكوفة ودمشق . وأدّى هذا الانتقال إلى تخريج جماعة من العلماء من هذه الأمصار على أيدي الصحابة الأوائل فواصلوا المسيرة العلمية التي أدّت في النهاية إلى ظهور المدارس الفقهية السنيّة الكبرى بعد أن تحددت بوضوح مدرستا الحديث والرأي . وكما كان لهذا العامل من إيجابيات كانت له سلبيات أيضا ، فقد تعزّز الاتصال ببعضهم اتصالا علميّا بسبب بعد المسافة وصعوبة المواصلات ، وكان من نتيجة ذلك اختلاف الأحكام الفقهية ، ولم تحدث محاولة للتوفيق بين هذه الأحكام أو نزول فريق على رأي فريق آخر لتمسّك كل قطر بفتاوى علمائه وأحاديثهم .
وتميّزت هذه المرحلة بأمر خطير للغاية وهو وضع الأحاديث النبوية التي استخدمت للدفاع عن المصالح السياسية للفرق الإسلامية ، ولقيام بعض أعداء الإسلام من يهود وفرس وروم الذين غلبوا على أمرهم بوضع الأحاديث المكذوبة في التشبيه ، وتحريم الحلال ، وتحليل الحرام ، ومن ضمن هؤلاء « عبد اللّه بن سبأ » وأضرابه الذين تستّروا بالإسلام ليتمكّنوا من تخريبه داخليّا « 1 » . ولعلّ أهم ميزة للفقه في هذا العصر ظهور نزعتي أهل الحديث وأهل الرأي التي أدت إلى تكوين المدارس الفقهية الكبرى في العصر اللاحق لهذه المرحلة التي نؤرّخ لها .
هامش
( 1 ) الشيخ عبد العال عطوة ، مدخل لدراسة الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 251 .