تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
الشريعة الإسلامية من أبواب مختلفة منها : أن بعض الأحاديث النبوية مبنيّة على العرف ، ومن الطبيعي عندما تكون الأحكام مبنية على العرف أن يرجع إليه في تفسيرها وتفهم معانيها . ومنها : أن سنّة الرسول التقريرية أكدت الكثير من العادات العربية ، عندما سكتت عنها ورضيت بها ولم يشرع خلافها فأصبحت جزءا من العادات الإسلامية المبنية على السنّة . ومنها : أنه إذا تكوّنت أعراف جديدة بمقتضى الحاجة ، أو إذا وجد العرب عادات وأعرافا في الأقاليم المفتوحة ، وليس هناك نصّ يخالفها في القرآن أو السنّة عملوا بها ثم أدخلوها في التشريع الإسلامي من باب إجماع المجتهدين ، أو من باب الأدلّة التشريعية الأخرى كالاستحسان والاستصلاح وغيرهما « 1 » . ونحن لو استقصينا آراء وفتاوى الأئمة المجتهدين لوجدنا فيها الكثير من الأحكام التي روعي فيها العرف الصالح . فالإمام « مالك » يبني الكثير من أحكامه على عمل أهل المدينة الذي هو في حقيقة الحال ما تعارفوا عليه وقبلوا به ، وارتضوه طريقة ومنهاجا لسلوكهم . وهذا الإمام الشافعي يأخذ بعين الاعتبار تغيّر الأعراف والظروف المحيطة بالزمان والمكان فينشئ مذهبا فقهيّا في بغداد ، ثم عندما ينتقل إلى مصر ينشئ مذهبا آخر نظرا لتغيّر الأعراف في كلا البلدين : وهؤلاء فقهاء الحنفية يراعون الأعراف في العديد من أحكامهم ، فإذا اختلف المتداعيان ولا بيّنة لأحدهما فالقول عندهم لمن شهد له العرف . ومن هناك كان أخذ فقهاء المسلمين بالعرف واعتباره مصدرا خصبا في التشريع والفتوى والقضاء ، وهو كما يجب مراعاته في تشريع الأحكام وابتنائها عليه يجب أن يراعى في تفسير النصوص فيخصص العرف الصحيح العام ، ويقيد المطلق ويترك به القياس « 2 » . هذا هو العرف الذي أخذ به فقهاء المسلمين ، وليس ذلك الذي عناه المستشرقون عندما يكرّرون في كل مناسبة أن هؤلاء الفقهاء استمدّوا أحكامهم من الأعراف العربية القديمة وأدخلوها في صلب الشريعة الإسلامية دونما تدقيق أو استناد إلى المصادر الإسلامية المعتمدة كالقرآن الكريم والسنّة النبوية . إذ لا خلاف بين العلماء على الاعتداد بالأعراف المخالفة لأدلّة الشرع وأحكامه بل يجب إلغاؤها ، كتعارف الناس على شرب الخمور ، والتعامل بالربا ، ولعب الميسر ، ومشي النساء وراء
هامش
( 1 ) صبحي محمصاني ، فلسفة التشريع في الإسلام ، المرجع السابق ، ص 240 . ( 2 ) محمد زكريا البرديسي ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 333 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 326 | ساسي سالم الحاج