تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
وصاحبنا وإن كان يشيد بما قام به فقهاء المدينة السبعة من مجهودات أدّت إلى تطور الفقه الإسلامي وإثرائه ، إلّا أنه عندما يصف الحياة القانونية في هذا العصر فإنه يحكم عليها بالتراجع المحض بتأثير القواعد الأخلاقية . ويبرهن على ذلك باستخدام المصطلحات الفقهية كالمشروع ، والصحيح ، والمكروه ، والفاسد ، والباطل وغيرها التي تبرز فيها القواعد الأخلاقية أكثر من بروز القواعد القانونية الصرفة « 1 » . ونحن نرى في تحليلات « شاخت » المتعلقة بعصر الفقهاء السبعة في المدينة الكثير من الغموض والإبهام والتناقض ، فأحيانا يصف هؤلاء الفقهاء وغيرهم بأنهم شاركوا في تنظيم مجتمعهم ، وقعّدوا له القواعد القانونية استنادا إلى القرآن والسنّة ، ولكنه يؤكد أنهم أدخلوا المبادئ الإسلامية في القانون العرفي الجاهلي ، وهذا الحكم غاية في الخطورة إذ يراد به إثبات أن مصادر الفقه الإسلامي مستمدة من الأعراف الجاهلية ، وأن ما فعله علماء المسلمين هو الملاءمة بين هذه الأعراف والمصادر الإسلامية التشريعية الأخرى . والحقيقة خلاف ذلك ، فقد وجد الإسلام العديد من أعراف الجاهليين الصالحة منها والفاسدة ، فأبقى على الصالحة وألغى الفاسدة منها . وبعد ظهور الإسلام أصبح النصّ الفقهي المبني على القرآن والسنّة هو أساس التشريع ، فتضاءلت أعراف الجاهليين إلى حدّ كبير . يضاف إلى ذلك أن فقهاء المسلمين عندما أخذوا بالعرف في بعض الحالات استنادا إلى ما استخلصوه من الكتاب والسنّة . فهم فسّروا الآية الكريمة
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
« 2 » ، وهو مراعاة تشريع الأحكام فيما تعوده الناس ، وقبله ضميرهم الجماعي ، وإرادتهم الضمنية ، وأقرّته العقول الناضجة والفطرة السليمة . وإذا كان الأمر خلاف ذلك فإن الناس يقعون في الضيق والحرج ، وهم بذلك مدفوعون طبقا للآية الكريمة إلى اعتبار العرف من أنه راجع إلى أصل رفع الحرج الثابت بالكتاب « 3 » . أما استنادهم إلى السنّة في تقرير العرف كمصدر تشريعي ثانوي فهو قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » . ويدل هذا الحديث على أن الأعراف الصالحة التي ارتضتها الجماعة الإسلامية يمكن الأخذ بها ، واستنباط الأحكام منها . إن فقهاء الأصول لا يعتبرون العرف كدليل خاص من الأدلّة الشرعية ، لأنه دخل
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 96 . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 78 . ( 3 ) محمد زكريا البرديسي ، أصول الفقه ، دار النهضة العربية ، الطبعة الثالثة ، 1969 ، ص 331 .