تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
بأسرها ، ومنها الحياة التشريعية بقواعد دينية أخلاقية يستمدونها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، هذه الأحاديث التي ترجع بلا شك إلى عصر قديم جدّا « 1 » . يرى « شاخت » أنه من نتائج التطبيق المحتوم المنظم لأعمال القرآن والسنّة أن اشتمل نظاما من « الأوامر والنواهي » في جميع أبواب الحياة القانونية حتى التي لم ينص القرآن عليها صراحة ، وروح هذه « الشريعة المقدسة » تختلف أصلا عن روح القوانين المدنية كالقانون الروماني مثلا « 2 » . ونحن نلاحظ في الفقرتين السابقتين عجبا ، فها هو « شاخت » يعترف صراحة أن الأحاديث النبوية ترجع بلا شك إلى عصر قديم جدّا . وبهذا يناقض كل ما سطره في كتابه « أصول الشريعة المحمدية » من أن هذه الأحاديث قد وضعت بأخرة ، وأنها تنظم قواعد قانونية لحوادث ونوازل لا وجود لها في عصر الرسول ، وأن أسانيدها مزوّرة واعتباطية . ونحن لا ندري إن كان ذلك تراجعا منه أو مجاملة للسامعين إلى محاضراته خاصة أن هذه المحاضرات ألقيت على جمهور من العرب المسلمين بمصر ، وبما أن نشر هذه المحاضرات سابق على تأليف كتابه : « أصول الشريعة المحمدية » الذي وضعه عام 1948 م « 3 » . فإنه يكون قد رجع عن هذه النتيجة الهامة طالما كان قد خصص كتابه هذا في الطعن في الأحاديث النبوية سندا ومتنا ، واعتبرها موضوعة بأخرة ، ولا تمثل العصر الذي قيلت فيه . كما أننا دهشنا من قوله : إن روح الشريعة المقدسة يختلف أصلا عن روح القوانين المدنية كالقانون الروماني ، لأنه ما ترك فرصة ، ولا محاضرة ، ولا تعليقا ، ولا حكما فقهيّا إسلاميّا إلّا وحاول إرجاعه إلى الأعراف القبلية العربية قبل الإسلام إلى المؤثرات الخارجية وخاصة الديانتين اليهودية والمسيحية ، ولو تأمل المرء في جميع أبحاثه سواء تلك المنشورة في كتبه المتعددة أو تلك الموجودة في « الموسوعة الإسلامية » لما وجده قد خرج عن هذه القاعدة التي دحضها في هذه المحاضرات . وهذا يدل على عدم استقرار هؤلاء المستشرقين على رأي واحد معيّن ، وانتهاجهم مسالك بعيدة عن الروح العلمية الخالصة .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 95 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 95 . ( 3 ) نشرت محاضرات شاخت في مجلة المشرق ( المجلد 33 ، 1935 ، ص 262 ، 361 ، ص 547 ) .