وبين الشيعة من جهة أخرى . ويرى اتفاق الخوارج مع أهل السنة على أن المبادئ المتمثلة في الوحي الإلهي قد تتسع لحل مشكلات جديدة عن طريق الاجتهاد الفقهي ، بينما رفضت غالبية الشيعة أي دور منحه الآخرون للعقل الإنساني ، ويوكلون ذلك إلى أئمتهم الذين يلهمهم اللّه للقيام بهذا الدور دون سواهم « 1 » .
ثم يسهب « كولسون » في وصف البناء التركيبي للفرقة الشيعية ، ويصف افتراق هذه الفرقة إلى عدة طوائف كلّ لها نظرتها المتميزة حول « معتقد الإمامة » الذي يسيطر على الفقه الشيعي باستثناء الزيدية التي ترى أن حجية الإمام عندهم لا تعلو على حجية غيره من الناس ، وأنه يختار من الأمة على أساس كفايته الشخصية ، وأنه تجوز عندهم إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه . واستنتج « كولسون » من اختلاف الشيعة حول « معتقد الإمامة » أن الإجماع ليس مصدرا من مصادر التشريع في أصول الشيعة حيث تحل حجية الإمام محل الرأي المجمع عليه ، خلافا للخوارج والسنّة الذين يعتبر الإجماع عندهم مصدرا أساسيّا من مصادر الفقه بالرغم من اختلافهم هم الآخرين عن حجية الإجماع بعد الفتنة . ولكن الشيعة لا تعترف بإجماع الصحابة طالما حجبوا الإمامة عن علي بن أبي طالب « 2 » .
ويذهب الإمامية الاثنا عشرية إلى جواز اجتهاد الفقهاء للكشف عن الأحكام الفقهية في أثناء غيبة « الإمام الغائب » الطويلة باعتبارهم وكلاء عنه ومهتدين بهديه ، وبذلك فقد أجازوا استخدام العقل البشري للكشف عن الأحكام الشرعية ورأوا أن ذلك أمر تفرضه الوقائع العملية والضرورات الشرعية ، ومن هنا جاء اعترافهم بظنيّة الأحكام الفقهية وحجية معيار الإجماع ، مع عدم اعتراف فقههم بمبدإ التقليد ، لأن علماءهم نادرا ما جوّزوا الخروج على « الفقه المأثور » المدوّن في أمهات كتبهم الفقهية ، وهذا هو بعينه فقه الخوارج أيضا الذي كان يستطيع أن يتطوّر نظريّا عن طريق ممارسة الاجتهاد إلّا أنه في الواقع بقي ثابتا عبر العصور مثل نظيره السنّي سواء بسواء « 3 » .
وعندما يصف « كولسون » خصائص الفقه الخارجي ويضرب بعض الأمثلة على تطبيقاته العملية ، فإنه لا يعتبره مجرد مزج اتفاقي لمبادئ السنّة وأحكامهم الفقهية ،
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 106 .( 2 ) بتصرف كبير وبأسلوب من عندنا .Ibid , op . cit , p . 108 .( 3 )Ibid , op . cit , p . 108 .