الخصلة بوضوح عندما ذكر أنه قد ظهرت عند فقهاء الخوارج اتجاهات عقلية حرة جعلتهم يفكرون في المسائل الدينية تفكيرا ذا صبغة حرة ، وقد ظهر بينهم إبّان معارضتهم للعقائد الإسلامية العامة ، حزب رأى أن يعتمد على القرآن وحده كمرجع للأحكام ، وأن يرفض ما عداه من السنن المأثورة لقصورها عن توضيح أركان الإسلام وضبط أحكامه « 1 » .
وكان منهج الخوارج يتحدد كذلك في عدم قبولهم رواية من لا يرونه عدلا من الصحابة ، لأنهم كانوا يعدلون الصحابة قبل الفتنة ، ولكنهم رفضوا روايتهم بعد أن اشتركوا في الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين المسلمين « 2 » .
ويصف بعض فقهاء السنّة الخوارج بأنهم لا يعتمدون على السنّة والإجماع في استنباط الأحكام ، وأنهم اخترعوا الحديث المنسوب إلى النبي « إن الحديث سيفشو عني ، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني ، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عني » . وقد أورد ابن قتيبة بعض الأحكام التي احتج بها الخوارج باعتبارها مخالفة للسنّة والإجماع « 3 » . كما أن البغدادي نقل إلينا في كتابه : « أصول الدين » أن الخوارج تنكر الإجماع والسنن ، وتقرّر أنه لا حجة فيما يتعلق بالأحكام الشرعية إلّا في القرآن .
ويورد أمثلة على ذلك بعدم اعتبارهم الرجم والمسح على الخفين من الواجبات ، وقالوا بقطع يد السارق دون اشتراط الحرز والنصاب لورود القطع في القرآن مطلقا دون تقييد « 4 » .
ويذهب « جولدزيهر » في هذا الصدد إلى القول : إن الخوارج يختلفون أحيانا عن أهل السنّة في المسائل التعبدية والأحكام الشرعية ، لأن فرقتهم عاشت وتعاليمهم
هامش
( 1 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، المرجع السابق المترجم ، ص 173 ، ويشير جولدزيهر هنا إلى رأي عبد اللّه السكاك الذي اعتبر أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية .
( 2 ) د . عبد العظيم شرف الدين ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 122 .
( 3 ) أورد بعض هذه الأحكام الشيخ محمد حسين الذهبي ، في كتابه : التفسير والمفسرون ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 313 وما بعدها .
( 4 ) البغدادي ، أصول الدين ، ص 19 ذكره الطالبي ، آراء الخوارج ، المرجع السابق ، هامش ص 170 .