مميزات الفقه في هذه المرحلة يعدّ مثلبا كبيرا ما كان لهم التنكّب عنه إلّا إذا اعتبرنا أن أحكامهم العامة المطلقة قد أغنت عن بيان هذه المميزات ولكننا مع ذلك لا نبرئهم من شبهة ترك تلك الأمور عمدا لأنها تبرز الخصائص الحسنة للفقه وتركيزهم على بعض خصائصه السلبية التي تظهر عدم أصالته وتأثّره بالقوانين الأجنبية .
وعلينا أن نكمل النقص الذي اعترى الدراسات الاستشراقية في هذه المرحلة لأن ظهور الفرق الإسلامية أدى إلى سلوك مناهج في استنباط الأحكام الشرعية تتفق والمبادئ الأساسية السياسية والعقائدية التي تؤمن بها تلك الفرق وتدافع عنها بالقلم والسيف وكان لها أكبر الأثر في تطور الفقه الإسلامي في هذه المرحلة .
فهؤلاء الخوارج الذين لا يؤمنون بمبدإ الإمامة في قريش ، ويرون تولية أمر المسلمين حقّا لكل مسلم يكون أهلا لذلك مهما كان لونه أو جنسه يقعّدون القواعد الفقهية لهذا المبدأ الديمقراطي السليم . وقد نتج عن هذا المبدأ دعوتهم إلى الخروج على الإمام الجائر ، مهما كانت نتيجة هذا الخروج ، ولم يقولوا بالتقية التي ذهب إليها الشيعة ، وكانت لهم مواقف عسكرية مشهورة إبان عصر الدولة الأموية ، وقدموا الكثير من الضحايا انتصارا لمبادئهم وقد نتج عن هذا المبدأ العديد من القواعد الفقهية . وقد أدّت نظريتهم القائلة : إن الأعمال من صلاة وصيام وزكاة وغيرها جزء من الإيمان ، فلا يتحقق إيمان المرء بالتصديق القلبي ولا بالإقرار اللساني ، ولكنهم يشترطون اقتران العمل بالإيمان ، أدّت هذه النظرية إلى تكفير مرتكب الكبيرة لأن الإيمان - كما قلنا - في نظرهم عقيدة وعمل .
وقد كان منهجهم الفقهي في فهم نصوص القرآن يتمثل في الأخذ بظواهر النصوص ، دون التعمّق في التأويل ، ولا يبحثون عن أهداف القرآن وأسراره ، ولكنهم يقفون عند حرفية ألفاظه « 1 » . وقد أدّى بهم هذا الفهم إلى الاجتهاد في المسائل الفقهية طبقا لحرفية النصوص القرآنية فخالفوا في هذه الأحكام بقية الفقهاء الآخرين . هذا ما سطره عليهم بعض المؤلفين القدماء ، ولكن الحقيقة غير ذلك ؛ فالخوارج ليسوا مجرّد بدو فسّروا القرآن حسب ظواهر نصوصه ، ولكنهم كانوا أصحاب نظر وتأويل عميقين ، بل إنهم من أوائل الذين فتحوا هذا الباب على مصراعيه . وقد أظهر « جولدزيهر » هذه
هامش
( 1 ) د . محمد حسين الذّهبي ، التفسير والمفسرون ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 310 .