تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
وبجانب هذين المصدرين التشريعيين كان القضاة يلتجئون إلى الاجتهاد الشخصي في القضايا المطروحة أمامهم والتي لا يوجد نصّ صريح في القرآن أو السنّة يحكمها . وكان اجتهادهم يستند إما إلى الإجماع الذي قد طبق فعلا في هذا العصر وإن كان لم يعرف بعد بهذا الاصطلاح من الناحية الفنية ، وإما إلى القياس الذي هو الاجتهاد بعينه وذلك طبقا للمناهج التي قررها علماء المسلمين في الخصوص . وكان من الطبيعي أن يختلف العلماء والقضاة في اجتهاداتهم الشخصية وذلك نظرا لظهور نزعة المحدثين ونزعة أهل الرأي ، فكان أهل المدينة يستندون إلى الحديث وإن كانوا لم يهملوا الرأي بتاتا ، وكان أهل العراق يستندون إلى الرأي مع أنهم لم يهملوا الحديث أيضا . ولم تكن الأعراف المحلية التي ركز عليها المستشرقون مصدرا تشريعيّا رئيسا بأي حال من الأحوال في هذا العهد ، وكان القضاة يلتجئون إليها في القضايا التي لا علاقة لها بالأمور الدينية . وآية ذلك أن المثال الذي ضربه « كولسون » حول هذا الموضوع والمتعلّق بضرورة حضور الولي في عقد زواج المرأة من عدمه والاختلاف فيه بين أهل المدينة وأهل العراق ، لم يكن مرجعه تطبيق الأعراف المحلية ، ولم تكن المرأة في المدينة مضطهدة وخاضعة لقيم المجتمع القبلي الضيقة والغريبة والخانقة بعكس حالتها في العراق الذي تسود فيه النظرة الإنسانية المتفتحة نتيجة غلبة الطابع الفارسي عليها . ولكن هذا الاختلاف يرجع إلى تفسير نصوص القرآن والسنّة . وآية ذلك أن المالكية والشافعية والحنابلة لا يقرّون للمرأة مهما كانت أن تتولى عقد زواجها ولا زواج غيرها ، وإنما الذي يقوم به هو الوليّ ، وحجتهم في ذلك الأحاديث النبوية الكثيرة التي وردت في هذا الموضوع منها قوله عليه السلام : « لا نكاح إلا بوليّ ، وأيما امرأة تزوجت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل باطل . . . فإن لم يكن لها وليّ فالسلطان وليّ من لا وليّ له » . وقوله عليه السلام : « لا تزوّج المرأة المرأة ، ولا تزوّج المرأة نفسها ، فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها » « 1 » . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى عكس الرأي السابق وحجتهما في ذلك ما روي عن الرسول أيضا من الأحاديث من قوله عليه السلام : « الأيم أحق بنفسها من وليّها ، والبكر تستأمر في نفسها ، وإذنها صماتها » . واستندا كذلك إلى إعمال الرأي
هامش
( 1 ) زكي الدين شعبان ، الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية ، المرجع السابق ، ص 207 .