تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
ناقشنا « جولدزيهر » في تقريراته حول هذا الموضوع عندما أشار إلى تطور السنّة في عهد الدولة الأموية . وقد ضربنا أمثلة كثيرة دللنا بموجبها على احترام حكام هذه الدولة لأوامر الدين ، وتقوى بعض خلفائها ، وتضلعهم في العلوم الشرعية ، ونشرهم للفتوحات الإسلامية ، وتعزيزهم للدين في جميع أرجاء المعمورة . ونحن إذ فعلنا ذلك لم يكن غرضنا إلّا إبراز الحقيقة العلمية ، لأننا نعيش في عصر أصبح الحكم فيه على هذه الأمور من مخلفات التاريخ التي لا نتأثر بها طبقا لأهوائنا أو مشاربنا أو ميولنا الذاتية . عندما تحدث « كولسون » عن أسباب اختلاف الفقهاء في مجال القانوني الخاص أرجعها إلى سببين أساسيين هما اختلاف الأعراف المحلية التي طبقها القضاة طبقا لعرف كل إقليم ، وعدم توحيد الأحكام القضائية في عهد الدولة الأموية . ولعلّ السبب الأول هو الذي يدعو إلى الجدل والمناقشة . ذلك أن عمل القضاة لم يقتصر على تطبيق الأعراف المحلية التي تختلف من إقليم إلى آخر فأدت إلى الاختلاف في الأحكام . لأن هؤلاء القضاة - الذين لم تختلط أعمالهم بالاختصاصات الإدارية الأخرى كما زعم « كولسون وشاخت » - كانوا يطبقون القرآن في الدرجة الأولى باعتباره المصدر التشريعي الأول للمسلمين في هذا العهد كما كان حاله في العهود السابقة له ، خاصة وأن تطبيق نصوصه أصبحت سهلة ميسورة بعد أن جمعه المسلمون في مصحف واحد زمن الخليفة عثمان . ولكن ربما يكون الاختلاف قد حصل في تفسير وتأويل بعض آيات أحكامه فأدّى ذلك إلى الاختلاف في الأحكام . وقد ضربنا أمثلة كثيرة في هذا الصدد . وهذا يدل على أن هذا المصدر هو المرجع الأساسي الذي يعتمد عليه القاضي المسلم . فإذا لم تسعفه النصوص القرآنية التجأ إلى السنّة باعتبارها المصدر الثاني للفقه خاصة أن الخليفة الأموي « عمر بن عبد العزيز » أمر بتدوين السنّة طبقا للروايات الشائعة التي تنسب إليه هذا العمل ، فكتب إلى عامله بالمدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن ينظر ما كان من حديث رسول اللّه أو سنّته فيكتبه فإنه خاف دروس العلم وذهاب العلماء « 1 » . وهكذا ظهر إلى حلبة الميدان « ابن شهاب الزهري » الذي كتب السنّة ودوّنها في قصة طويلة تعرّضنا لها هي الأخرى في الجزء الأول من كتابنا . وبذلك أصبحت السنّة المصدر الثاني للتشريع والقضاء في هذا العهد .
هامش
( 1 ) محمد الخضري ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 124 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 304 | ساسي سالم الحاج