والعلماء الذين أثروا الفقه الإسلامي حصل في هذا العهد أيضا . وإن تقعيد القواعد الفقهية ، وشرح وتأويل الآيات القرآنية ، وتدوين السنّة وغربلة صحيحها من موضوعها لم يحدث إلّا إبان هذا العهد . وإن الاجتهاد بالرأي الذي حتمته ظروف الفتح ، ومواجهة الحوادث المستجدة لم يتبلور ويأخذ طابعه القانوني إلّا في هذا العهد . وإن قيم الحياة القبلية العربية لم تؤكد نفسها من جديد ولكنها اختفت تدريجيّا وحلّت محلها الدولة الأموية المركزية التي بسطت سلطانها على العرب والبلاد المفتوحة بحيث اختفى مفهوم القبيلة الضيق من الأذهان . وإذا كان المؤرخون الغربيون يعتقدون أن الدولة الإسلامية كانت دولة عنصرية لاعتمادها على العرب دون سواهم ، فهو أمر يحتاج إلى نظر ومراجعة . وإذا كان هذا الادّعاء صحيحا من الناحية الجدلية فإنه لا يمكن اعتباره دليلا على ظهور قيم الحياة القبلية من جديد لأن مفهوم الدولة بمعناها الحديث قد تبلور جليّا إبان هذا العهد واختفت في ظلّها جميع المعايير القبلية التي كانت واضحة في العهود التي سبقتها . وإذا كان المستشرقون يقصدون من وراء هذا الادعاء ذلك النزاع السياسي الذي نشب بين العرب بعد مقتل عثمان والذي أدّى إلى ظهور الفرق السياسية الإسلامية فإن هذا الانشقاق لم يتخذ الطابع القبلي ، ولكنه اتخذ المعايير الدينية والخلقية سبيلا له ، بحيث نرى الأب في فرقة والابن في فرقة أخرى مناوئة له ، وأكبر دليل على صحة قولنا أن فرقة الخوارج لم تنتم إليها قبيلة معينة ولكنها كانت خليطا من جميع القبائل والذي جمع المنتسبين إليها عقيدتهم الدينية المرهفة ، وروحهم الديمقراطية وتمسكهم بالمبادئ التي دافعوا عنها حتى الموت . كما أن فرقة الشيعة ضمّت في صفوفها العرب من قبائل مختلفة والفرس وغيرهم من الأعاجم ولم تسيطر عليها قبيلة واحدة معيّنة .
أما ما ذهب إليه « كولسون » من قيام الأمويين بإخضاع قواعد الدين لأهوائهم السياسية ، فهو كلام مرسل لا دليل يسنده ، فلا هذا المستشرق قدم لنا الأدلّة العلمية التي تؤيّد وجهة نظره ، ولا غيره من المؤلفين قدموا لنا ذات الأدلّة والحجج لأن هذه الأحكام التعسفية أطلقها المؤرخون الذين دبجوا كتاباتهم في ظل الدولة العباسية التي كانت مناوئة للدولة الأموية وقامت على أنقاضها ، ونكلت برجالها ، وشوّهت تاريخها ونسبت لها الصحيح والباطل . ونحن لم نعثر في قراءاتنا المتعددة والطويلة لكتب التاريخ على قيام خلفاء بني أمية بأمور عامة تتناقض مع أوامر الدين . بل إننا استطعنا البرهنة في الجزء الأول من كتابنا على عدم صحة ما نسب إليهم في هذا المقام عندما
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 303
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٠٣