مستعدّا لاستيعابها والتعامل معها ، غير أن ما حققه الأمويون من التنسيق الدقيق بين مصادر التأثير المتنوعة في الميدان الفقهي كان إنجازا حقيقيّا . وتحت ضغط الأحداث تدافعت المشكلات وتحدّدت أمام النظر المنهجي بسرعة بالغة . وكان من الضروري أن ترتكز حلول هذه المشكلات على المتطلبات الملحّة للواقع العملي . لقد كانت مهمة الأمويين إنشاء نظام عملي لإدارة القانون ، لا إقامة علم فقهي ، وقد نجحوا في هذا العمل بلا جدال » « 1 » .
ونحن عند عرضنا لآراء المستشرقين لا نبتغي بالضرورة الرد عليها ودحضها .
لأننا لا نفعل ذلك إلّا إذا شعرنا بأن الأمر يستحق ذلك . إذ إن هدفنا من هذه الدراسة ليس دحض آراء المستشرقين فقط ولكننا نريد اطلاع القرّاء المسلمين عليها وبيان مناهجهم وكيفية تفكيرهم ومعالجتهم للقضايا الإسلامية ، فإذا كانت تلك المعالجة سليمة خالية من الغرض والهوى وسوء النيّة فإننا نوردها كما هي ولا نلزم أنفسنا بإهمالها أو التغاضي عنها لأن هذه الدراسة في حقيقة أمرها انعكاس لآراء المستشرقين حول الموضوعات التي اخترنا التعرّض إليها ، فإذا كانت هذه الآراء علمية قدمناها للقارئ بلا معقبات عليها ، وإذا كانت عكس ذلك تكون مهمتنا دحضها وتحليلها والرد عليها بعد استعراضنا لها .
ونحن بعد أن عرضنا عليك آراء « كولسون » حول تطور الفقه الإسلامي في عصر الدولة الأموية نلمس العديد من الجوانب الإيجابية فيها والتي نوافقه عليها حالة كونها تعكس الحقيقة العلمية التي نبحث عنها . ولكن هناك العديد من الهنات والشبهات التي يجب علينا الرد عليها ودحضها منها قوله : إنه بعد انتهاء حكم الخلفاء الراشدين تدافعت الأحداث لتفسح الطريق إلى تلك المتغيرات العميقة التي أصابت الروح الإسلامي فأخذت قوة الدين الذاتية وأثر الرسالة الإسلامية المتميّز في الضعف والوهن ، وعادت قيم الحياة القبلية تؤكد نفسها من جديد « 2 » .
هذا الاستنتاج ليس صحيحا من الناحية العلمية فلم تضعف قوة الدين الذاتية وأثر الرسالة الإسلامية في عهد بني أمية ، والذي حصل عكس ذلك لأن الفتوحات الكبيرة التي نشرت الدين شرقا وغربا لم تحدث إلّا خلال هذا العهد ، وإن ظهور التقاة والزهاد
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 34 - 35 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 27 .