ونسبت إلى الرسول لإضفاء الشرعية الدينية عليها . ونحن لا نود الرد تفصيلا على هذه الشبهة الخطيرة لأننا فعلنا ذلك تفصيلا في ثنايا الجزء الأول من كتابنا .
فلو تركنا « شاخت » واستعرضنا آراء « كولسون » حول تطوّر الفقه إبان الدولة الأموية لرأيناه لا يبتعد كثيرا عما سطّره أستاذه « شاخت » . ويرى أن الأساس الحقيقي لسياسة الدولة الأموية يتمثل في الاحتفاظ بالأنظمة الإدارية المطبقة في البلاد المفتوحة ، وهكذا كان الوضع القانوني لأهل الذمة عند الأمويين مطابقا لوضع الأجانب في الإمبراطورية البيزنطية . ومن ثمّ فرضت الجزية على أهل الكتاب مقابل حمايتهم مع احتفاظهم بنظامهم القضائي الخاص بهم . ويرى « كولسون » أنه وإن كان أساس هذه المعاملة معمولا به إلى ما قبل العهد الأموي إلّا أنهم فصلوا فيه القول تفصيلا وبذلك أصبحت هذه التنظيمات تنسب إليهم « 1 » .
وأعاد « كولسون » ما ذهب إليه « شاخت » من استعارة الأمويين لوظيفة « مفتش السوق » من الإدارة الرومانية الذي كان يهتم بالأسواق والمكاييل والموازين والتي تطوّرت بعدئذ حتى أصبحت وظيفة إسلامية خالصة هي وظيفة « الحسبة » وهي التي يكون من اختصاص القائم بها المحافظة على الآداب العامة والأخلاق الدينية . والذي يهمنا من كلام « كولسون » أن الأمويين قد تأثروا في المواضيع التشريعية بالعناصر الأجنبية ولم يكن ذلك مقتصرا على بعض المصطلحات القانونية مثل « التدليس » الذي أخذه العرب من اليونانية ولكنه تعدّى إلى بعض فروع القانون الأخرى ك « الوقف » الذي يرى أن نظامه مستمد من نظيره البيزنطي «
Piae Causae
» . كما تسلل إلى الفقه الإسلامي بعض القواعد القانونية الفارسية والرومانية على حدّ سواء حتى استطاع الفقه الإسلامي استيعاب هذه القواعد جميعا في منتصف القرن الثامن الميلادي « 2 » .
واستعرض كولسون وظيفة القاضي واختصاصاته واختلاط عمله بالوظائف الأخرى ، وهو لم يأت بجديد عما سطره « شاخت » في هذا الصدد فلا داعي لتكرار كلامه . ولكنه يشير في سياق كلامه إلى أنه بالرغم من تبعية القضاة للسلطة السياسية الأموية فإن الخلفاء الأمويين وولاتهم كانوا بصورة عامة يتركون الحكم في القضايا
هامش
( 1 )Coulson ; A history of islamic law ; op . cit , p . 27 .بتصرف كبير ودونما ترجمة حرفية .
( 2 )Ibid , op . cit , p . 28 .