تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
الفساد وقتل النساء والذراري . إضافة إلى أن الخليفة أبا بكر لما تولّى أمر المسلمين أمر أسامة بقيادة الجيش الذي أمّره عليه الرسول حال حياته ، وشيّعه ماشيا خارج المدينة قائلا لهم : « ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلّا لمأكلة . . . » « 1 » . وهكذا فإن ما طبّقه الأمويون في هذا الشأن لم يكن وليد تطبيقاتهم الإدارية الصرفة كما أراد شاخت ذلك ولكنهم اقتدوا بفعل الرسول وأبي بكر وما نصّت عليه التعاليم الإسلامية من عدم الإفساد في الأرض . أما بالنسبة إلى القوانين الجنائية فإننا نورد مثالا واحدا من الأمثلة التي ساقها « شاخت » للتدليل على أن التطبيقات الإدارية الأموية انقلبت إلى قواعد قانونية إسلامية وهو أن الدولة الأموية جرت على عدم تطبيق الحدّ على مسلم إذا كان في أرض العدو خوفا من فراره إليه . ولكن « الأوزاعي » يناقض هذا التطبيق من حيث تفاصيله ، ويظهر أنه قد صادق على التطبيق العملي ولكنه جعله أكثر مثالية : أما الإمام أبو حنيفة فقد وضع نظرية نظامية يبيّن فيها كيفية تطبيق الحدود وسريانها من حيث المكان . وقد استند في ذلك إلى تطبيقات عملية قديمة ذهبت إلى الحد من تطبيق الحدود . أما أبو يوسف والشيباني فإنهما يستندان في ذلك إلى عمل الصحابة وما نقل عن الرسول بالخصوص . وكان إسنادهم عراقيّا سوريّا على حدّ سواء . غير أن أهل المدينة لا يعترفون بهذا الإجراء الذي يعطّل الحدود في أرض العدو . ولكن الإمام مالكا تنازل شيئا ما عن هذا الرأي حينما خوّل لقائد الجيش إمكانية تأجيل تطبيق الحدّ عندما يكون قد توغّل في أرض العدو . وقد ذهب « الأوزاعي » إلى هذا الرأي ويرى أنه من الطبيعي أن تطبق الحدود في الجيش من قبل قادته حتى من ذوي الرتب البسيطة ، ولكن أبا حنيفة - طبقا لنظريته المبنيّة على الرأي - يعطي هذا الحق للقاضي دون سواه . ويعتبر « شاخت » أن هذا المثال عبارة عن نموذج واضح لنمو الفقه خارجا وبعيدا عن التطبيقات القديمة « 2 » . ونحن لا نشاطر « شاخت » في استنتاجاته . لأن هذا المثال لا يدل على نمو
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، طبعة ديخويه ، ج 4 ، ص 1850 . ( 2 )Schacht , op . cit , p : 201 .