تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
التطبيقات الإدارية الأموية إلى قواعد قانونية ، ولكن لأن هذا الحكم معروف في النظرية القديمة طبقا لوصفه . فقد ورد عن الرسول نهيه عن إقامة حدّ السرقة في الغزو أو السفر . ولكن بعد وفاته جدّت حوادث جديدة من هذا القبيل لم يرد فيها نصّ صريح عنه . فانتهى الصحابة إلى عدم إقامة أي حدّ في أرض العدو قياسا على تعطيل حدّ السرقة في مثل هذه الظروف . واشتركوا جميعا في أن علّة التأجيل في إقامة الحدود في أرض العدو هو دفع الضرر الذي قد يلحق بالمسلمين . فبعضهم يرى أن الضرر قد يتمثل في ارتداد المقام عليه الحد عن الإسلام فيلتحق بالعدو ، وفي هذا قال أبو يوسف : « لا ينبغي أن تقام الحدود في المساجد ولا في أرض العدو ، وبلغنا أن عمر رضي اللّه عنه ، أمر أمراء الجيوش والسرايا ألّا يجلدوا أحدا حتى يطلعوا من الدرب قافلين ، وكره أن تحمل الحدود حمية الشيطان على اللحوق بالكفار » « 1 » . وبعضهم الآخر يرى أن الضرر الذي سيلحق بالمسلمين عند إقامة الحدّ في أرض العدو قد يتمثّل في ضعفهم أمام عدوّهم وطمعه فيهم إذا رآهم يقيمون الحدّ على أميرهم ، وهم يشيرون هنا إلى واقعة الوليد بن عقبة عندما شرب خمرا مسكرا فطلب الناس من ابن مسعود وحذيفة بن اليمان إقامة الحدّ عليه فرفضا لأنهم بإزاء العدو فيطمع فيهم « 2 » . وهكذا ترى أن هذا الحكم ليس تطبيقا إداريّا للدولة الأموية ، وليس تطويرا لهذه الإجراءات العملية حتى أصبحت قواعد قانونية . ولكنه تقرّر منذ عصر النبي والصحابة ، وعملوا به ، إلّا أن الفقهاء المتأخرين قد اختلفوا في تفصيلاته حينما تطوّر الفقه واتسع مجال الجدل والمناظرة ، ووضعت القواعد الفقهية لسائر الأحكام بتفصيلاتها نظرا لاتساع الثقافة الإسلامية وغناها بالمصطلحات الفنية والآراء المذهبية . وإذا كنا قد حاولنا تتبع آراء « شاخت » في هذا السياق وقدمنا الردود التي نعتقدها مقنعة على بعض شبهاته ، فإننا لا نشاركه الرأي كذلك في العديد من الاستنتاجات التي وصل إليها ولعلّ أهمها ما أراد البرهنة عليه من أن معظم الأحاديث النبوية كانت موضوعة ، وقد وضعت بأخرة لأسباب سياسية أو شعوبية أو قصصية أو وعظية . وأن معظم الأحاديث المنظمة للقواعد القانونية في مختلف فروع القانون لم تكن معروفة حوادثها زمن الرسول ، ولكنها وضعت بأخرة لمواجهة الحوادث والنوازل الجديدة
هامش
( 1 ) أبو يوسف ، الخراج ، المرجع السابق ، ص 212 . ( 2 ) الرد على سير الأوزاعي ، طبعة أولى ، حيدرآباد ، ص 81 .