تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
يصدرون أحكامهم بناء على اجتهاداتهم وآرائهم الشخصية مستندين في ذلك إلى القواعد العرفية المطبقة ، والتعاليم القرآنية والمصادر الدينية الأخرى المسموح بها . أما بالنسبة إلى تطبيق العرف في القضاء فإنه يراعى فيه العادات المتعارف عليها طبقا لكل إقليم على حدة ، الأمر الذي خلق نوعا من الاختلافات القضائية . وبالرغم من أن النظام القضائي كان إسلاميا بطبيعته فإن المدارس الفقهية لم تعترف به كما هو مطبق على أرض الواقع ، الأمر الذي أدّى إلى عدم تطور السوابق القضائية وحجية الأمر المحكوم فيه « 1 » . ويسهب « شاخت » في وصف تطور النظام القضائي الإسلامي الذي يراه وقد أصبح ناضجا في نهاية القرن الأول الهجري بعد ظهور نظام « القضاة المتخصصين » . ولكنه يعود فيؤكد أن القضاء المتخصص لا يعني أن من يزاوله قد تكوّن فنيّا في هذا المجال . ولكنهم كانوا من الذين يهتمون ببعض القضايا المطروحة فيفكرون فيها مليّا في أوقات فراغهم سواء أكانوا منفردين أو بعد مناقشات حامية مع زملائهم الذين تشغلهم القضايا ذاتها . وكان الاهتمام الرئيس الذي يشغل بال هؤلاء القضاة « غير المهنيين » إبّان تلك الأجواء الثقافية والعقلية في نهاية الدولة الأموية هو فيما إذا كانت القواعد العرفية متطابقة مع النصوص القرآنية أو على الأقل بصورة عامة مع التعاليم الإسلامية . وكان القضاة في ذلك العهد من المهتمّين بالشؤون الدينية ومن الأتقياء ، وكانوا يحاولون خلق نظام قضائي إسلامي عن طريق اجتهاداتهم الشخصية ، وقد أدّى بهم هذا الاهتمام الديني إلى دراسة سائر المجالات المتعلقة بالأنشطة المعاصرة لعهدهم ومن ضمنها بطبيعة الحال « المجال القانوني » ليس فقط في القواعد الإدارية ولكنها تعدّت إلى التطبيقات العملية الشعبية . وهكذا درسوا كلّ الاعتراضات الدينية الموجهة ضد بعض التطبيقات العملية المقبولة والمسلّم بها في المجتمع الإسلامي خاصة فيما يتعلق بالشعائر الدينية والأخلاق . وعادة ما يعدلون هذه التطبيقات أو يقرّونها أو يرفضونها جملة وتفصيلا . وهكذا نجح هؤلاء القضاة في مواءمة هذه التطبيقات العملية الإدارية منها والشعبية إلى القواعد الإسلامية . ومن هنا تحوّلت هذه العادات الإدارية والشعبية عند نهاية الدولة الأموية إلى قانون إسلامي . وتطوّرت هذه العادات والتطبيقات بفضل الخلفاء وعلماء الدين ، والقضاة والولاة إلى قواعد قانونية
هامش
( 1 ) بتصرف كبير من عندنا .Ibid , op . cit , p . 33 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 291 | ساسي سالم الحاج