عنها : إنها قد استبدلت بالجلد بدلا من القطع طبقا لما رواه يوحنا الدمشقي ، وكذلك ما ذهب إليه من أدلّة الإثبات التي اعتمدت على شهادة الشهود دون الكتابة في العقود الأمر المخالف لصريح الآيات القرآنية ، فإننا قد أتعبنا أنفسنا في العثور على مصادره ، التي استقى منها هذه المعلومات فلم نعثر عليها . ويكفينا الرد عليها بأنها باطلة طالما لم يبن لنا شواهده وأدلّته ، ولعلّه قصد بتغيّر حدّ السرقة من القطع إلى الجلد هو ما فعله عمر عام المجاعة عندما أسقط عقوبة القطع للظروف المعيشية القاسية ، أو ربما عطّل بعض الخلفاء بعض الحدود في أرض العدو حتى لا يفر المتهم إلى معسكره فيؤدي الأمر إلى تقويته .
هكذا حاولنا الرد على شبهات « شاخت » الخطيرة حول تطوّر الفقه في القرن الهجري الأول ، وهي شبهات تستحق الدرس العميق والتحليل الدقيق لتلمّس الردود العلمية عليها . ولم نحاول التعرّض إلى آراء « كولسون » بالخصوص لأن ما ذكره في هذا السياق عبارة عن سرد تاريخي لا يحتاج إلى ردود عميقة اللهمّ إلّا في بعض المقاطع التي رددنا فيها على آرائه في حينها منعا للتكرار والاستطراد .
فإذا كانت خصائص الفقه الإسلامي في هذه المرحلة بالصورة التي عرضناها عليك ، وإذا كانت آراء المستشرقين حولها بالكيفية التي سردناها عليك فإنك تلمس تلك الردود العلمية التي حاولنا تدبيجها عليها حتى تكون على بيّنة واضحة من آراء هؤلاء القوم الذين حاولوا التهوين من شأن الفقه الإسلامي والطعن في مصادره النقلية والعقلية . وإذا كان الأمر كذلك فكيف تطوّر الفقه في عهد الدولة الأموية ؟ هذا ما سنبحثه في المطلب التالي :
المطلب الثالث الفقه في عهد الدولة الأموية
هذا عهد المتغيرات السياسية الكبرى في الدولة الإسلامية التي تحدّدت معالمها ، وانتظمت مؤسساتها ، واتسعت أراضيها ، وتطوّرت قواعدها القانونية . وهو عهد الانشقاق السياسي الكبير الذي فرّق المسلمين أشتاتا إلى يوم الناس هذا ، ففيه نشأت الفرق الإسلامية السياسية كالشيعة والخوارج ، وفي نهاية عهده ظهر المتكلمون ، وتفتّح المسلمون على ثقافات وحضارات البلاد المفتوحة ، والفلسفة اليونانية ، والمدونات