وهذا الاختلاف في هذه المسألة وغيرها ليس راجعا إلى ما ذهب إليه « شاخت » ولكنه يعود كما أسهبنا في القول إلى التعارض بين ظواهر النصوص القرآنية ، وإلى عدم إلمام بعض الصحابة بالسنّة النبوية ، وإلى اجتهاد بعض الصحابة في إعمال الرأي فيما لم يرد بشأنه نصّ في كتاب اللّه ولا سنّة رسوله ، وهكذا بيّنّا لك خطل رأي هذا المستشرق الذي يتعمّد - عن سوء نيّة - تشويه الفقه الإسلامي والشك في الأحاديث النبوية التي يراها مصطنعة وموضوعة بأخرة ولم تكن كذلك في الوقت الذي قيلت فيه .
أما ما ذكره « شاخت » من أمثلة حول المعتدة الحامل المتوفى عنها زوجها : أتعتد بالمدة المحددة في القرآن أم تعتد بوضع حملها ؟ فإنه قد أورد هذه الأمثلة في الباب المتعلّق ب « العنصر القرآني في تكوين الفقه في العصر المبكر » وقد أشرنا في المطلب السابق إلى أنه قد اعتبر أن الفقه الإسلامي لم يكن مشتقّا مباشرة من القرآن الكريم ولكنه تطوّر نتيجة التطبيقات العملية الشعبية والإدارية للدولة الأموية . وأشرنا في ذلك المقام إلى أننا سنزيد الأمر توضيحا عندما يأتي الموضوع في سياقه . وهكذا عرضنا عليك هذا الموضوع تفصيلا هنا عندما ذكر « شاخت » أن الخلفاء والفقهاء الأوائل لم يستندوا إلى القرآن فيما يقرّرونه من أحكام ولكنهم ذهبوا إلى ما وراء ذلك خاصة في قضية الطلاق التي أشرنا إليها . وهو عندما ضرب الأمثلة المتعلّقة بنفقة الزوجة المطلقة غير الحامل وحقها في السكن فإنه أشار إلى أن القرآن الكريم قد قرّر لها حق السكن ولم يقرّر لها حق النفقة ، ولكنه أشار إلى مصحف ابن مسعود الذي ورد فيه تقرير حق « النفقة أيضا » ثم أشار إلى قيام عبد الملك بن مروان بإلغاء قرآنه واعتماد مصحف عثمان نظرا لما أدخله في عهده من إصلاحات وتصحيفات - هكذا - وقد استند في ذلك إلى ما قرّره المستشرق « جيوم جيفري » في كتاب « المصاحف للسجستاني » .
ونحن نرى أن القرآن لم يطرأ عليه أي تبديل أو تعديل بعد أن جمعه المسلمون في عهد عثمان بن عفان ، كما لم يثبت تاريخيّا أنه قد غيّر أو بدّل إبّان خلافة عبد الملك بن مروان ، كما أن مصحف ابن مسعود لم يعمل به ولم يعرف أحد مصيره بعد إجماع المسلمين على مصحف عثمان الذي أصبح النسخة الرسمية للدولة الإسلامية . وبذلك فإن ما ذكره من طعنه في صحة القرآن ، ومن زعمه أن المسلمين قد طبقوا أحكاما خارجة عنه هو قول مرسل لا يستند إلى أدلّة علمية صحيحة .
أما ما ذهب إليه « شاخت » من أن التطور اللاحق بالفقه الإسلامي قد مرّ على الأحكام القرآنية بطريقة سطحية ، وضرب مثالا على ذلك بعقوبة السارق الذي قال
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 285
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٨٥