ويرى شاخت أن الطلاق « البات » هو عبارة عن تطوير المذهب الإسلامي الأول للطلاق والمستند إلى القرآن لقوله تعالى :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
« 1 » . وهذه الآية تدل على أن الطلاق قد شرّع مفرّقا مرة بعد مرة ، ولم يشرّع دفعة واحدة ، ولا يصبح الطلاق نهائيّا إلّا إذا انتهت العدّة . أما الطلاق الثالث فإنه يصبح نهائيّا ولا رجعة فيه ، فإذا طلق الزوج زوجته طلاقا باتّا فإنه يكون قد أسقط حقه في إرجاعها إلى عصمته ويصبح الطلاق نهائيّا ، وبذلك فإنها تكون طلقة واحدة ولكنها نهائية ، وهذا يمكن اعتباره جزءا من التطبيقات العملية إبّان الدولة الأموية ، وقد اعترف العراقيون بهذا النظام واعتبروا الطلقة الواحدة نهائية إذا تمّ التعبير عنها بكلمة « الباتة » « 2 » .
وعندما لم يفهم المعنى القديم للطلاق البات في الحجاز فإن آثاره القانونية قد اختلفت بين اعتباره طلقة واحدة وبين اعتباره كذلك إذا نطق بالثلاث مرة واحدة . وقد كان المذهب القديم يرى أن وقوع الطلاق الثلاث المنطوق به يعتبر طلقة واحدة ، وقد روي عن ابن عباس أنه كان الطلاق على عهد رسول اللّه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، ولكن الخليفة « عمر » رأى أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فألزمهم بالأثر المترتب على ألفاظ الطلاق التي صدرت منهم « 3 » .
وعندما يقرّر « شاخت » النتيجة السابقة فإنه يرى أن القول المنسوب إلى ابن عباس يمكن تحديده مباشرة قبل مالك ، بينما الحديث الرسمي المروي عن ابن عباس عن النبي الذي يجعل آثار طلاق الثلاث طلقة واحدة رجعية قد ظهر فقط في الزمن الواقع بين الشافعي وابن حنبل « 4 » . وقد استند « شاخت » في ذلك إلى الشافعي الذي قال عنه إنه لا يعرف حديثا صريحا عن الرسول يجعل للطلاق الثلاث بعبارة واحدة طلقة واحدة . كما أن الإمام مالكا لم يقبل به ، ولكن هذا الحديث رواه ابن حنبل ومسلم عن عبد اللّه بن عباس والذي يجعل من الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة رجعية ، كما أن « الشافعي » قد اعترف صراحة حسب علمه بأن الرسول لم ينه عن الطلاق
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 229 .
( 2 )Schacht , Origins , op . cit , p . 196 .( 3 )Ibid , op . cit , p . 196 .( 4 )Ibid , op . cit , p . 197 .