تحليله أن كلا المذهبين قد تكوّنا قبل منتصف القرن الأول الهجري وأن القرار الأخير كان مخالفا للقرآن .
ولعلّ القارئ يلاحظ الغموض والإبهام الذي يشوب كلامه الآنف بيانه ، لأننا لا نعلم أن هناك قرارات تتخذ بشأن أهم قضايا الأحوال الشخصية الإسلامية أحدها يخالف القرآن ولا يستند إليه ثم يلغى بجرة قلم من أحد الخلفاء المسلمين ، ناهيك من أن الأمر قد زاد تعقيدا عندما لم يدلنا على مصادره التي استقى منها معلوماته فيصبح كلامه مرسلا من القول يمكننا اطّراحه دون مناقشته ، ولكننا لسنا من أولئك الذين يستسهلون الردود السهلة البسيطة ، وما علينا إلا الرجوع إلى كتاباته الأخرى المعقدة في هذا الخصوص علّنا نجد إيضاحا لألغازه ، فقرأنا كتابه الآخر « أصول الشريعة المحمدية » من أوله إلى آخره علّنا نجد توضيحا للشبهة التي أوردها في كتابه « مدخل إلى الفقه الإسلامي » ولعلّ التوفيق كان رائدنا عندما عثرنا في ثنايا كتابه المعقّد ذاك على توضيح لهذا الغموض عندما أشار إلى التطبيقات العملية للفقه إبّان الدولة الأموية ، بأن الآثار القانونية للطلاق « البات » لم تحدد بعد في الأجيال السابقة للإمام « مالك » وكانت هناك عدة أجوبة محتملة تعود إلى العهد المبكر للدولة الأموية طبقا للأحاديث المدنية والعراقية .
ويضرب كمثل على ذلك بالحديثين المرويين في موطأ مالك ، عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر عن محمد بن عامر بن حزم أخبر عمر بن عبد العزيز بأن أبان بن عثمان يعتبر الطلقة الباتة طلقة واحدة ، ولكن عمر بن عبد العزيز أصرّ على أن الطلقة الباتة تستنفذ كل إمكانات الطلاق وتعتبر طلاقا بالثلاثة . وروي عن مالك عن الزهري أن مروان بن الحكم قرّر أن كلمة « الطلاق البات » ينتج عنها الطلاق بالثلاثة « 1 » .
ثم أورد « شاخت » الأحاديث التي روتها المدرسة العراقية واستقاها من « آثار الشيباني » عن أبي حنيفة عن حمّاد عن إبراهيم النخعي عن عروة بن المغيرة بصفته واليا على الكوفة أنه أشكل عليه مصطلح « البات » فسأل عنه القاضي شريحا ، فأشار الأخير إلى رأي عمر الذي ينتج عنه طلقة واحدة رجعية ، ورأى أن رأي عليّ الذي يقول : إن الطلاق البات ينتج عنه ثلاث طلقات هو رأي شخصي . ويرى « شريح » أن الطلاق البات هو عبارة عن « بدعة مذمومة » ولكنه ينتج طلقة واحدة أو ثلاث طلقات طبقا لنيّة المطلّق « 2 » .
هامش
( 1 )Schacht , Origins , op . cit , p . 195 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 195 .