تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
إلّا القرآن الكريم الذي لم يختلف في ألفاظه أو معانيه ، وهذا أمر لم يقل به أحد بل ويوجد نظير له في التراث الغربي ، ناهيك من أن هذا الاختلاف كثير الوقوع في عصرنا الذي تقدمت فيه الوسائل والاتصالات تقدما هائلا ، وكثيرا ما نسمع عن تناقضات في تصريحات بعض الساسة وتأويلها وتفسيرها . فما بالك بذلك العصر الذي لم يتوافر فيه إلّا وسيلة الذاكرة والنقل عنها . أما ما ذهب إليه « مرجليوث » من أن هذه الرسالة قد نقلت شفاها من عمر إلى أبي موسى ، فإنه ليس هناك ما يدعو إلى الدهشة والاستغراب ، فالرسالة كانت مكتوبة ومرسلة إلى أبي موسى طبقا لما هو معمول به من مراسلات الدولة في ذلك الزمان ، وقيل إن ابن أبي موسى قد احتفظ بها عنده مع غيرها من رسائل عمر « 1 » ، وإذا كنا لا نتمكن الآن من الاطلاع عليها فإنها ضاعت شأنها في ذلك شأن العديد من كتب التراث الإسلامي إبّان الغزوات المتلاحقة عليه من قبل أعدائه . والأخرى أن هذه الرسالة لو نقلت شفاها لما كانت مدعاة للدهشة والاستغراب حالة كونها قد اختلف الرواة في نقل بعض ألفاظها . لأن الرواية الشفوية مهما كانت دقّتها تتعرّض للتبديل والتغيير نظرا لمرور الأيام ، وتوالي الحدثان واختلاف في نقل الرواة . وهو أمر يحصل كما ذكرنا في كل زمان ومكان . عندما تعرّض « شاخت » لمفهوم « السنّة » عند العرب الجاهليين ثم عند المسلمين اعتبر أن هذا المصدر التشريعي الثاني في الإسلام اتخذ مفهوما سياسيّا أكثر من كونه تشريعيّا . ويؤكّد أن « مفهوم سنّة النبي » ارتبطت بسنّة أبي بكر وعمر فيما يتعلّق بتولية الخلافة ، ويرفض مصطلح « السنّة » في العصر الإسلامي المبكر ، ويؤكد أن الوثيقة الأولى التي استخدم فيها مصطلح « سنّة النبي » هي تلك الرسالة التي بعث بها « عبد اللّه ابن إباض » إلى الخليفة الأموي « عبد الملك بن مروان » . ونحن لا نجد عناء في الرد على هذه الشبهة من أساسها حالة كون استخدام هذا المصطلح مئات المرات في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ولسنا مضطرّين إلى إيراد المئات من الأحاديث التي وردت فيها « السنّة » بالمصطلح العلمي الذي عناه « شاخت » . ولكن الذي يهمّنا بيانه ، والذي يحتاج فعلا إلى دراسة عميقة شبهته التي زعم فيها أن
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 139 .