تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
عليه في ذلك ، وذلك طبقا لما روي عنه عندما جاءه أعرابي وأخبره بأنه رأى الهلال ، وسؤال الرسول له إن كان ينطق بالشهادتين ، وتأكيد الأعرابي ذلك ، فاعتبره الرسول شاهدا صادقا وأمر بلالا بالأذان في الناس ليصوموا بعد أن ثبتت رؤية الهلال عن هذا الأعرابي « 1 » . وهذا عمر يستند إلى المثال السابق ويجعله مناط العدالة طبقا لما هداه إليه اجتهاده ، وإذا كان الفقهاء اشترطوا شروطا أخرى لتحقيق العدالة فلا يفهم من ذلك أنهم طعنوا فيما ذهب إليه عمر أو أنكروا رسالته القضائية ، بل إن العديد من الفقهاء المشهورين قد ذهبوا مذهبه في هذا الشأن وقالوا برأيه كالحسن البصري والليث بن سعد « 2 » . أما ما ذهب إليه « مرجليوث » من إنكار رسالة عمر القضائية بسبب اختلاف بعض الألفاظ في روايتها ، فإن ذلك ليس صحيحا ، لأن اختلاف الروايات في أجزاء صغيرة منها متضمنة للقليل من ألفاظها لا يدل على عدم صحة الرسالة . لأن الرواة قد يختلفون قليلا في نقل ما يروونه خاصة إذا علمنا أن هذه الطريقة لا يتطلّب فيها الدقة المتناهية نظرا لعدم انتشار وسائل التسجيل الدقيقة في ذلك الزمان ، وإنما تنقل شفاها من راوية إلى آخر ، وقد تختلف الألفاظ في لفظها ولكنها لا تختلف في معناها ومضمونها . وقد حصل هذا الأمر لبعض الأحاديث حتى ذهب بعض العلماء إلى صحة روايتها بالمعنى لا باللفظ . ونحن ولو رجعنا إلى تلك الروايات الثلاث التي ذكرت رسالة عمر لوجدنا أن الاختلاف قد انصبّ على بعض الألفاظ وعلى بعض الزيادات الطفيفة كالتي وردت في نهاية الأرب « وعدلك » بعد كلمة « ووجهك » والتي سقطت في روايات العقد الفريد ، وعيون الأخبار ، ومقدمة ابن خلدون . وكاختلاف ما ورد في كتاب الجاحظ « البيان والتبيين » « ثم اعمد إلى أحبّها إلى اللّه وأشبهها بالحق » عن كتاب مقدمة ابن خلدون الذي ورد فيه « وقس الأمور بنظائرها » . وهذه الاختلافات اللفظية والزيادات الطفيفة في بعض الكلمات أملتها ظروف النقل في ذلك الزمان التي تعتمد على الذاكرة ، وأملاها اختلاف الروايات طبقا لما تناهى إلى مسامع الرواة من مصطلحات . يضاف إلى ذلك أنه لو أخذنا بهذه الشبهة لطرحنا معظم التراث الإسلامي ولم يبق لنا
هامش
( 1 ) الشوكاني ، نيل الأوطار ، مطبعة الحلبي ، ج 4 ، ص 186 . ( 2 ) د . أحمد عبد المنعم البهي ، تاريخ القضاء في الإسلام ، المرجع السابق ، ص 136 .