انصبّ نقد المستشرقين على رسالة عمر لقاضيه أبي موسى الأشعري لما شابها من مطعن في متنها ، وذلك لأن الرسالة اشتملت على اصطلاحات دقيقة تعتبر وليدة لعصر ما بعد الصحابة ، وهي « واعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور ببعضها » . فكلمة القياس لم تستعمل في معنى الرأي في عصر الصحابة وإنما كان استعمالها بعد ذلك ، وهذا يدل على افتراء الرسالة على عمر وعدم صحة نسبتها إليه . والعبارة الأخرى التي كانت محل شك المستشرقين هي : « المسلمون عدول بعضهم على بعض » والفقهاء لم يكتفوا بالإسلام وحده في اعتبار العدالة ، ولو كان هذا الكتاب صادرا عن عمر حقيقة لتابعه الفقهاء في رأيه . والشبهة الثالثة حول هذه الرسالة ما ذهب إليه « مرجليوث » في ردّ الرسالة بسبب ما جاء في بعض رواياتها من اختلاف في بعض الألفاظ إذ لو كانت الرسالة صحيحة ما اختلفت الرواة في بعض ألفاظها .
يذهب « شاخت » إلى أبعد من ذلك لتأصيل مصطلح « القياس » ويفرّق بينه وبين مصطلح « الرأي » . ويرى أنه نتيجة أبحاثه قد حدّدت بأن الأساس الحقيقي للمذهب المعتمد في المدارس الفقهية القديمة ليست مجموعة الأحاديث المروية عن الرسول أو المنقولة عنه أو حتى عن الصحابة ، ولكنها هي « السنّة الحيّة » للمدارس الفقهية طبقا لما يعبر عنها بإجماع العلماء « 1 » . كما أن « رأي العلماء » الذي يتخذ في القرارات الصائبة بطريقة منظمة وتاريخية يوجد صداه في السنّة . ويقول « شاخت » : سنرى في مناسبة قادمة المواد التي ابتدأ بها العلماء العمل في نهاية الدولة الأموية والتي تتمثل في التطبيقات العملية الشعبية والإدارية . ويرى أن الاجتهاد بالرأي بدأ منذ زمن مبكر واستخدمه القضاة والعلماء . وقد بدأ العلماء يستخدمون القياس بالرأي بطريقة غامضة وبدون توجيه أو منهجية حتى عصر الشافعي الذي رفض الرأي الشخصي وأصرّ على التفكير المنظّم « 2 » .
والتفكير المنظم هو الذي قاد إلى « القياس » . وعندما يعبّر هذا التفكير عن الاختيار الشخصي للعلماء فإنه أطلق على هذا الاختيار المستحسن اصطلاح « الاستحسان » أو « الاستصحاب » . وأطلق على التفكير الفردي المنظّم مصطلح « الاجتهاد » . و « المجتهد » هو الشخص المؤهّل الذي يلجأ إلى الاجتهاد . وهذه
هامش
( 1 )Schacht , Origins , op . cit , p . 98 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 98 .