تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
ولكن سلطات القاضي ضاقت فيما بعد بظهور المذاهب الأربعة التي تقيّد بها القضاء في العصر العباسي « 1 » . وتطوّر القضاء في العصر العباسي تطوّرا كبيرا حتى أصبح متميّزا عن سلطات الدولة الأخرى ، وأنشئت وظيفة قاضي القضاة التي أول من تولّاها كان القاضي « أبو يوسف » تلميذ الإمام « أبي حنيفة » . وتعادل هذه الوظيفة اختصاصات وزير العدل الحالي إلى حدّ ما ، لأنه كان من ضمن اختصاصاته الإشراف على تعيين القضاة وعزلهم ، وتفقّد أعمالهم ومراجعة أحكامهم . وتميّز القضاة في هذا العهد بزيّهم الخاص ، وإحاطتهم بالمهابة ، وتحديد الأيام التي ينعقد فيها مجلس القضاة ، واتسعت وظيفة القضاء حتى أضيف إليها ولاية الشرطة والمظالم والحسبة ودار الضرب وبيت المال « 2 » . وهكذا يكون الخلفاء الراشدون قد عيّنوا القضاة ، وأسّسوا نظام المرافعات المدنية والجنائية بما سطّروه من أحكام على هيئة وصايا ورسائل لقضاتهم ، وعيّنوا وسائل الإثبات وقرّروا كيفية مراجعة الأحكام واستئنافها وطرق الطعن فيها ، وأقرّوا مبادئ عامة تحكم هذا المرفق الهام ، وبذلك تنهار شبهة « شاخت » ومن على شاكلته عندما أنكروا حصول هذا النظام القضائي في هذا العهد الذي نؤرخ فيه تطوّر الفقه من الناحية الشكلية والموضوعية . وإذا كانت شبهات المستشرقين تناولت الشك في كيفية إقامة هذا المرفق الذي يمثل العدالة في أجلّ صورة لها ، فإنهم رفضوا أيضا تلك الرسائل التي وجّهها عمر لبعض ولاته كالمغيرة وشريح ومعاوية تناولت أسلوب القضاء ، وكيفية بيان الأحكام ، وتوصية قضاته بتحري العدل ، ولعل أهم هذه الرسائل جميعا تلك التي وجهها إلى أبي موسى الأشعري والتي أنكرها من قبلهم ابن حزم الظاهري الذي نقد سندها ومتنها . ومن الطبيعي أن ينتقد ابن حزم متنها طالما كانت تحتوي على أعمال القياس ، وهو كما تعلم ينكر هذا المصدر التشريعي ويأخذ بظاهر النصوص دون غيرها . أما بالنسبة إلى المستشرقين فإن « جولدزيهر » أنكر هذه الرسالة لأنها تحتوي
هامش
( 1 ) د . سليمان محمد الطمّاوي ، عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة ، دار الفكر العربي ، الطبعة الثانية ، 1976 ، ص 327 . ( 2 ) ابن خلدون ، المقدمة ، ص 192 - 193 ، ذكره مذكور في المرجع السابق ، ص 31 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 269 | ساسي سالم الحاج