ولعلّ بعض الحوادث التاريخية المبثوثة في كتب التراث تبيّن بوضوح أن الرسول قد عيّن قضاة في بعض المناطق البعيدة عن المدينة . فها هو قد عيّن « عليّا » قاضيا على اليمن وزوّده بالتعليمات اللازمة لإنجاح مهمته « 1 » . وهذه الآثار تدل صراحة على تعيين الرسول معاذا قاضيا على اليمن مزوّدا إياه بالأدوات اللازمة لقضائه كاستناده إلى القرآن أو السنّة أو الاجتهاد « 2 » .
فإذا تركنا عهد الرسول وتتّبعنا القضاء في عهد الخلفاء الراشدين رأينا أن الخليفة الأول « الصدّيق » قد عيّن عمر « قاضيا » « 3 » بالإضافة إلى مباشرته مهام القضاء بنفسه .
ومع ذلك فإننا نقرّ باختلاط وظيفة القضاء بالإدارة التي كانت تدخل في نطاق مهام الولاة .
وعندما اتسعت الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عمر اضطرّ إلى تعيين قضاة لتلك الأقاليم المفتوحة ، ففصل بذلك القضاء عن الولاية ، وأصبح تعيين القضاة وتبعتهم من اختصاصه وحده . وأحيانا كان يكلّف ولاته بتعيين قضاة يسميهم لهم .
ومع ذلك فقد أبقى هذا الاختصاص القضائي لبعض الولاة لظروف خاصة اقتضتها مهامهم التي تقتضي الجمع بين القضاء والإدارة كما فعل مع المغيرة بن شعبة في الكوفة ومعاوية في الشام « 4 » .
وهكذا تطوّر القضاء في الإسلام حتى إبّان الدولة الأموية التي قام حكّامها بتعيين القضاة في عاصمة دولتهم وفي الأقاليم الإسلامية الأخرى التابعة لهم ، وكان عمل القضاة مقتصرا على إصدار الأحكام ، أما التنفيذ فكانوا يشرفون عليه بأنفسهم أو عن طريق نوّابهم بأمر منهم ، وغالبا ما يكون القاضي مجتهدا فلا يلتزم برأي معيّن إذا لم يكن هناك نص صريح يوضّحه « 5 » . ومما يميّز العمل القضائي في هذه المرحلة استقلال القضاة في قضائهم ، واستشارتهم للخلفاء ولزملائهم فيما يشكل عليهم من قضايا ،
هامش
( 1 ) سنن أبي داود ، الطبعة التجارية ، ج 3 ، ص 30 .
( 2 ) المرجع السابق ، ج 3 ، ص 302 .
( 3 ) الطبري ، تاريخ ، طبعة المعارف ، ج 3 ، ص 426 .
( 4 ) د . أحمد عبد المنعم البهي ، تاريخ القضاء في الإسلام ، مطبعة لجنة البيان العربي ، 1965 ، ص 107 .
( 5 ) محمد سلام مذكور ، المرجع السابق ، ص 30 .