ولكن الذي يهمنا أن هذه العقوبة لم تقرّر إبّان عهد الدولة الأموية أو بعدها ولكنها أصبحت عقوبة مقدرة منذ عهد الرسول وتحدّدت إبّان عهد الخلفاء الراشدين وتراوحت بين الأربعين والثمانين ، ولكلّ حجته في تقديرها بهذا المقدار . فهذا عمر قد رفع العقوبة إلى ضعفها قياسا على العقوبة المقدرة لجريمة القذف لقول عليّ : إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى وحدّ المفتري ثمانون جلدة . ويرى بعض الفقهاء أن مضاعفة عمر العقوبة هي زجر وردع للشاربين والمستهينين بالعقوبة البسيطة .
وعلى العموم فإن تحديد عقوبة شارب الخمر قد تقرّرت منذ عهد النبي ، وصارت مقدّرة بأربعين جلدة ثم بثمانين ثم بأربعين تبعا للمصلحة العامة ، وتشريع الأحكام طبقا لتطوّر المجتمعات واختلاف البيئات وتغيير الظروف . وبذلك تنهار شبهة « شاخت » الذي جزم خطأ وبدون سند علمي أن المسلمين لم يحللوا هذه العقوبة حتى إبّان حكم الدولة الأموية .
وإذا ناقشنا « شاخت » حول زعمه بأن الخلفاء الراشدين لم يعيّنوا القضاة ، ولم ينظّموا إجراءات المحاكمة المدنية والجنائية وشكك في رسالة عمر القضائية ورآها مختلفة من أساسها باعتبارها من نتاج القرن الثالث الهجري ، فإننا نريد أن نوضّح أولا تنظيم القضاء في الإسلام ثم نناقش صحة رسالة عمر القضائية من عدمها حتى نتمكن من الرد على شبهات صاحبنا .
أصر معظم المستشرقين بالإضافة إلى « شاخت » على أن الرسول والخلفاء الراشدين لم يكن لديهم نظام قضائي متكامل الأركان . وكانت وظيفة القضاء منوطة بالولاة الذين ينظرون في جميع الأمور الإدارية والقضائية في ولاياتهم . ويرون أن القضاة لا وجود لهم في عصر الخلفاء الراشدين حتى نهاية الدولة الأموية لأن هذه الوظيفة كما ذكرنا آنفا منوطة بالولاة ، ولكن في نهاية العصر الأموي أصبح القضاء مؤسسة مستقلّة عن الأنظمة الإدارية الأخرى « 1 » .
ونحن سنتعرّض إلى دراسة هذه القضية تفصيلا حتى لا نعود إلى تكرارها في
هامش
( 1 )a ) Coulson , A history of islamic law , op . cit ; p . 28 . b ) schacht ; Introduction . . , op . cit , p . 25 . c ) schacht ; Esquisse d'une histoire du droit Musulman , Paris , 1950 , p . 20 ss . d ) Chamille mansour ; L'autarite dans la pensee Musulmane , J . VRIN , Paris , 1975 , p . 23 .