تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
المباحث المقبلة ، ونود أن نشير منذ البداية إلى أنه لم يكن للجاهليين نظام قضائي محكم ، وكانوا يلتجئون إلى فضّ المنازعات التي تقع بينهم عن طريق تحكيم زعماء قبائلهم وأهل الرأي والمشورة بينهم ، وأحيانا يحتكمون إلى الكهّان والعرّافين ، وأحيانا يتعاهدون على دفع الظلم كما رأينا آنفا في « حلف الفضول » . فلمّا جاء الإسلام جمع النّبي فعلا بين التشريع والتنفيذ والقضاء ، فلم يكن للمسلمين قاض سواه وهو أمر نوافق عليه المستشرقين . فاللّه أمر عباده بالخضوع إلى حكم الرسول ، وكان قضاء الرسول في هذه الحقبة اجتهادا لا وحيا . وعندما اتسعت الدولة الإسلامية وامتدّت خارج المدينة أذن الرسول لبعض أصحابه بشيء من ممارسة القضاء حتى في حضرته لتدريب أصحابه على الاجتهاد وعلى الولاية والقضاء « 1 » . ولكن يجب الإقرار بأن القضاء في هذه المرحلة لم يكن مستقلّا عن الإدارة فلم يكن هناك فصل بين السلطة التنفيذية والقضائية ، وطالما تولّى الولاة مهام القضاء والإدارة . وكان القضاء في هذه المرحلة المبكرة من الدعوة الإسلامية يقوم على نظام القاضي الفرد ، وعلى عدم تدوين الأحكام الصادرة في القضايا المنظورة ، وباختلاطه بالمهام الإدارية المنوطة بالوالي . ومع أن القضاء لم يتبلور بوضوح كما هو عليه الشأن في زماننا إلّا أن القواعد المنظمة له لم تكن مجهولة في هذه المرحلة . كالمساواة بين المتقاضين ، ومسلك القاضي الشخصي وسمعته العلمية والعائلية ، وتحرّي الحق ما أمكن والحكم به ، والتنبيه إلى خطورة عمل القاضي ودعوته إلى تلمّس الحق والدوران معه أينما دار وإلّا فسيكون مصيره النار ، والتزام القضاة بتطبيق أحكام الشريعة ، وتطبيق طرق الإثبات المعروفة والاجتهاد في إصدار الأحكام وغيرها من القواعد التي نراها الآن في ثنايا قوانيننا الحالية التي لم تتعدّ إطلاقا تلك القواعد الكلية التي أمر بها الرسول منذ ألف وأربعمائة سنة . ولعمري هذا هو النظام القضائي العادل الذي أنكره المستشرقون كما أسلفنا القول .
هامش
( 1 ) محمد سلام مذكور ، القضاء في الإسلام ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، ص 22 ، بدون تاريخ .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 267 | ساسي سالم الحاج