نؤرّخ لها فإنها تستأهل منا دراسة عميقة متأنية للرد عليها بجميع جزئياتها لخطورتها من جهة ولمنافاتها للحقائق العملية من جهة أخرى .
فهذا صاحبنا يرى أنه في مجال القانون الجنائي أن ذهب الخلفاء الأوائل في تحديد العقوبات إلى ما وراء النص القرآني عندما قرّروا عقوبة الجلد على الشعراء الذين يهجون القبائل المناوئة لهم ، وإدخالهم عقوبة رجم الزاني التي لا نصّ لها في القرآن والتي أرجعها كعادته إلى المؤثرات اليهودية ، وأخيرا فإن تطبيق القصاص والدّية ما زالت تعتمد في إقرارها على مبادرة أقرب أقارب الضحية .
ونحن نرى أن إنزال عقوبة الجلد بالشعراء الذين يهجون القبائل أو الأفراد المناوئين لهم لا نص لها في القرآن . ولكن إذا تعدّى الهجاء إلى القذف والتعرّض لأعراض الناس بدون وجه حقّ ، فإنه يجوز لأداة التشريع الإسلامية أن تقرر لهم العقوبات التعزيرية الرادعة حتى يمتنعوا عن مثل هذه الأفعال التي تمس كرامة الناس وسمعتهم . ثم إن صاحبنا لم يضرب لنا الأمثلة الدالّة على افتراضه هذا ، بما يمكن اعتباره مرسلا من القول لا يعتد به ، ولا يمكن اعتباره كلاما علميّا يستحق النظر والمناقشة .
أما بالنسبة إلى شبهته الواردة حول إقرار عقوبة الرجم للزاني المحصن باعتبارها قد حدّدت خلال هذه الحقبة وأنها مستمدة من القوانين الموسوية ، فإننا نرد عليه بأن عقوبة الزاني المحصن لم ينص عليها القرآن صراحة وإن كان قد حدّد للزاني غير المحصن عقوبة الجلد . وجاءت السنّة النبوية فحدّدت هذه العقوبة منذ عهد الرسول . وآية ذلك أنه أمر بها على العسيف الذي زنا بزوجة مخدومه . وأنه رجم الغامدية وماعز بن مالك ، وأنه حكم على اليهوديين الزانيين بالرجم طبقا لأحكام التوراة . فهذه الآثار متواترة لم ينكر أحد حصولها . يضاف إلى ذلك ما روي عن الرسول من الأحاديث المشهورة مثل قوله : « لا يحل دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير نفس » وقد استنبط الفقهاء من هذه الأمثلة والأحاديث أن عقوبة رجم الزاني المحصن هي سنّة فعلية وسنّة قولية في آن واحد .
ومما يدل على أن عقوبة الرجم لم تقرّر بعد وفاة الرسول قيام الخلفاء الراشدين بتطبيقها في العديد من الحالات ومن التهديد بها وإسقاطها في حالات أخرى دعت الظروف المصاحبة إلى تعطيلها لأسباب شرعية . فهذا عمر قد حذّر من تركهم لحدّ
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 263
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٢٦٣