الفئة فإنه شعر بقوة الإسلام والمسلمين ، ورأى انتفاء الأسباب التي قام عليها هذا الحكم ، وهذا الخليفة العظيم لم يعطل النص القرآني وإنما اجتهد في فهمه واعتبر أن هذه الفئة لم يعد لها وجود أصلا ، وهذا من حسن السياسة الشرعية ومراعاة المصلحة العامة وإقرار بدوران العلّة مع المعلول وجودا وعدما .
وينهج عمر نفس المنهج الذي سلكه في الأمثلة السابقة عندما عطّل حدّ قطع يد السارق عام المجاعة ، فهو يرى أن تطبيق هذه العقوبة يكون عندما لا تدعو إليه الضرورة والحاجة أما وأن المجاعة قد استفحلت ، وخشي الناس من الموت جوعا ففي هذه الحالة فإن الضرورات تبيح المحظورات ، وتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، ولهذا قال عمر : « لا قطع في عام سنة » « 1 » . بل إن الإمام ابن حزم يعطي هذا الحكم فلسفة أخرى جديرة بالنظر والاهتمام عندما قال : « من سرق من جهد أصابه ، فإن أخذ مقدار ما بقيت به نفسه فلا شيء عليه ، لأنه إنما أخذ حقه ، وإن كان فرضا على الإنسان أخذ ما اضطرّ إليه في معاشه ، فإن لم يفعل فهو قاتل نفسه : وهو عاص للّه قال تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . .
وهو يعم كل ما يؤدي إلى هلاك النفس » « 2 » .
وكما يكون الاجتهاد في « نطاق النص » يكون كذلك « فيما لا نص فيه » وهو الذي يطلق عليه « الاجتهاد بالرأي » كالاجتهاد والقياس الذي يؤخذ فيه الحكم من علّة النصّ بطريق القياس ، وذلك برد النظير إلى نظيره لعلّة جامعة بينهما ، كتحريم كل مسكر قياسا على الخمر ، وكقياس حرمان قاتل الموصى له الموصي استعجالا للموصى به قبل أوانه على تحريم الوارث من الإرث إذا قتل مورثه لاشتراكهما في علّة الحكم .
وكتحريم خطبة امرأة قد سبقه غيره إلى خطبتها أو شرائه شيئا رغب غيره الذي لم يرد النص في حكمه ، لكن توجد فيه علّة الحكم المنصوص عليه في تحريم الخطبة أو الشراء على الغير فيكون حكمه مثل حكمها لاشتراكهما في العلّة التي لأجلها شرع الحكم المنصوص .
وكما يكون الاجتهاد عن طريق القياس يكون كذلك عن طريق تقدير « المصالح » المتجددة التي لم يرد النص فيها ، وهذا النوع من الاجتهاد كثير الوقوع ، وإنما يجب أن يكون الرأي فيها جاريا على أصول الشريعة وعلى نحو يقيم الدنيا بما لا يتناقض مع
هامش
( 1 ) ابن قيم الجوزية ، أعلام الموقعين ، ج 3 ، ص 7 .
( 2 ) ابن حزم ، المحلّى ، ج 11 ، ص 343 .