تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أنه أمر بالاحتفاظ بها لمالكها وتعلف علفا متوسطا لا يسمنها ولا يهزلها « 1 » . وهكذا تبدّل الحل في هذه القضية عدة مرات طبقا لتغير الظروف والمناسبات . نتج عن اختلاف الصحابة في الاجتهاد أمران أساسيان ؛ أولهما يتعلق بإيجادهم أكثر من حكم في قضية واحدة قد تبدو لأول وهلة وكأنها اجتهاد في النص ذاته وهو الأمر المخالف للقاعدة القائلة : « لا اجتهاد مع وجود النص » وثانيهما يفهم من الاختلاف في الاجتهاد ، وهو الخروج عن النصوص المقرّرة في مصادر الفقه الأصلية النقلية منها والعقلية ، كما ذهب إلى ذلك عمر بن الخطاب . ونحن نرى أن كلا الاستنتاجين ليس صحيحا ، ذلك أن الاجتهاد بالرأي يتناول « نطاق النصّ » خاصة في « دلالته العقلية » التي هي من لزوم عبارته ، كدلالة الإشارة ، ودلالة النص ، أو فحوى الخطاب ، ودلالة الاقتضاء ، ودلالة مفهوم المخالفة ، وهذا ما نطلق عليه عبارة « فهم النص » وبالتالي لا يكون الاجتهاد في نطاقه مخالفا للنص أو لتلك القاعدة القائلة بعدم الاجتهاد عند وجود النص . والأمر الذي دعا الصحابة إلى الاجتهاد في « نطاق النصّ » هو ذلك الوضع البياني للقرآن الكريم من حيث إن معظم نصوصه المبيّنة للأحكام « ظنيّة » غير قاطعة الدلالة على معانيها ، فكان الاجتهاد بالرأي لتعيين المراد من النص أمرا لا مناص منه . ثم إن منهج القرآن جاء كليّا في بيانه للأحكام ، والأحكام الكلية لا بد من تنزيلها على الأحكام الجزئية التي تتحقق فيها مناطه ، يضاف إلى ذلك أن الرسول لم يفسّر جميع الآيات القرآنية ليعلم وجه الحق فيها . ولعلّ الحكمة في ذلك ترك القسم الكبير من القرآن الكريم للمجتهدين ، ليفسّروا باجتهادهم في كل عصر « 2 » . والقائل بهذا الرأي فسّر علّته بأن اللّه قد قصد أن يترك ذلك القسم الكبير من القرآن ليس مفسّرا حتى يتمكّن المجتهدون من تفسيره في كل عصر ، إذ ليس من المعقول - حسب رأيه - أن يترك الرسول هذا القسم دون بيان بمحض إرادته . ولا متصورا أن يخالف الرسول أمر ربّه بالبيان والتفسير والتبليغ « 3 » .
هامش
( 1 ) د . عبد العظيم شرف الدين ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 89 . ( 2 ) د . محمد فتحي الدريني ، بحث مقدم لندوة « تجديد الفكر الإسلامي نحو مشروع حضاري إسلامي معاصر » بعنوان « مناهج الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي » ، ص 17 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 17 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 255 | ساسي سالم الحاج