تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
العربية ، وهي لا تحتاج إلى بيان لأن القرآن نزل بلغة العرب ولا يخفى ذلك على أحد منهم . كما لم يفسّر لهم الرسول ما لا يعذر أحد بجهله وهذه الأسباب جمعها ابن جرير في تفسيره بقوله : « التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعمله إلا اللّه » « 1 » . وهكذا نعود بعد هذا الاستطراد لصلب موضوعنا ونبيّن أن الاجتهاد قد يكون في نطاق النص كما ذكرنا . وقد طبقه الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة في هذه الحقبة الزمنية التي نؤرخ لها . واستندوا في ذلك إلى فهم النص مراعاة للمصلحة العامة المشروعة وليس مخالفة له كما فهم بعض العلماء . فهذا عمر بن الخطاب يجتهد في فهم آية الغنائم :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . . .
« 2 » . ويرى أنه لو أخذ بظاهر النص لاعتبر الأرض المفتوحة عنوة غنيمة من الغنائم ولجعل أربعة أخماسها للفاتحين والخمس للمصالح العامة المذكورة في آية الغنائم . ولكنه لحسن فهمه للنص القرآني ، ولتقدير المصلحة العامة رأى توزيع الأموال المنقولة على الفاتحين وإبقاء أرض في يد زارعيها نظير خراج يدفعونه إلى الأمة الإسلامية ، وبالرغم من معارضة العديد من الصحابة لاجتهاده هذا ، فإنه أصرّ عليه لما قدمه من حجج معقولة ومنطقية حتى تضامن معه بقية الصحابة الآخرين . ونحن نسوق إليك ما قاله أبو يوسف في هذا الاجتهاد الذي يأخذ الحكم من النص بفهمه ، قال : « وقد كان هذا توفيق من اللّه لعمر ، فقد كان فيه الخيرة لجميع المسلمين لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ، ولم تقو الجيوش ، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت عن المقاتلة والمرتزقة » « 3 » . واجتهد عمر كذلك في نطاق النص بفهم دلالته عندما عطّل إعطاء المؤلفة قلوبهم ما هو مقرّر لهم في آية الصدقات . وذلك عندما فهم أن نصيب هذه الفئة قد تقرّر عندما كان المسلمون ضعفاء ، ويريدون ائتلاف القلوب معهم لتقوية مراكزهم ، وتكثير عددهم ، وترغيبهم في الدخول إلى الإسلام . وعندما عطّل عمر العطاء لهذه
هامش
( 1 ) الطبري ، التفسير ، ج 1 ، ص 25 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 41 . ( 3 ) أبو يوسف ، كتاب الخراج ، دار المعرفة للطباعة والنشر ، بيروت ، ص 27 . وقد أشار القاضي أبو يوسف لهذه الواقعة في عدة مواضع من كتابه انظر الصفحات 24 ، 25 ، 28 ، 35 .