ونحن نرى أن هذا التعليل ليس صحيحا ، فاللّه سبحانه وتعالى الذي أمر نبيّه ببيان وتفسير القرآن للناس :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . .
« 1 » . لم يأمره ، صراحة أو ضمنا ، بعدم بيان أحكام العديد من الآيات القرآنية ، وهذه المسألة كانت محل خلاف بين فقهاء المسلمين منذ قديم الزمان . فهذا الإمام « ابن تيمية » يرى أن الرسول بيّن لأصحابه كل معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه « 2 » وقد استند الإمام ابن تيمية وشيعته على تفسير الآية ( 44 ) من سورة النحل فالبيان - بالنسبة إليهم - يتناول بيان معاني القرآن كما يتناول ألفاظه ، والرسول لا بد من أن ينفذ أوامر ربّه ، وإلا كان مقصّرا في البيان الذي كلّف به من اللّه .
وهؤلاء قوم ذهبوا إلى القول : إن الرسول - صلوات اللّه عليه - لم يبيّن لأصحابه من معاني القرآن إلا القليل مثل الخويّيّ والسيوطي « 3 » . واستندوا في ذلك إلى ما أخرجه البزار عن عائشة من قولها : ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفسّر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد ، علّمه إياهن جبريل « 4 » . كما استندوا كذلك إلى القول بأن بيان النبي لكل معاني القرآن متعذّر ولا يمكن ذلك إلا في آي قلائل ، والعلم المراد يستنبط بأمارات ودلائل ، ولم يأمر اللّه نبيّه بالتنصيص على المراد في جميع آياته لأجل أن يتفكّر عباده في كتابه « 5 » .
والرأي الذي نذهب إليه مع آخرين أن اللّه لم يأمر الرسول ببيان سائر الآيات القرآنية ، وإن الرسول إذ لم يبيّنها جميعا فهو ليس مخالفا لأوامر ربه ، والحقيقة التي لا مراء فيها أن الرسول قد شرح وفسّر العديد من الآيات القرآنية ولم يبيّن معاني القرآن قاطبة لأن هناك آيات استأثر اللّه بعلمهن كقيام الساعة ، وحقيقة الروح وسائر الأمور الغيبية الأخرى . وهناك آيات لم يفسرها الرسول لأن فهمها يرجع إلى فهم اللغة
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية : 44 .
( 2 ) د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، الجزء الأول ، دار الكتب الحديثة ، القاهرة ، ص 49 .
( 3 ) السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ص 174 ، وكذلك ، ص 179 .
( 4 ) أ - الطبري ، التفسير ، ج 1 ، ص 21 .
ب - القرطبي ، الجامع ، ج 1 ، ص 31 .
( 5 ) انظر ما نقله السيوطي في الإتقان عن الخويّيّ ، ج 2 ، ص 174 ، مذكور في هامش كتاب :
التفسير والمفسرون للذهبي ، المرجع السابق ، ص 51 .