والإيمان ، ولكن عندما نقص الوازع الديني وازدادت المفاسد رأى الصحابة منعهن من الخروج إلى المساجد طبقا للظروف الجديدة التي نقص فيها الوازع الأخلاقي وغير هذه الأمثلة كثير فيرجع إليها من شاء في كتب الفقه المختلفة .
وكما يكون الاجتهاد عن طريق القياس ، وعن طريق تقدير المصلحة ، يكون الاجتهاد بالرأي فيما لا نص فيه عن طريق « سياسة التشريع » التي تتطلبها الظروف المستجدة العامة خاصة الاستثنائية منها ، لما في ذلك من تحقيق العدل ، ومقاصد التشريع والأمن العام ، خاصة أن الاجتهاد بهذه الطريقة يؤدي إلى إيجاد حلول عملية للظروف المستجدة مناسبة ، وناجعة ، يتم بها تحقيق معنى العدل ، كملا ، في ضوء تلك الظروف المتغيّرة ، أو بتشريع نظم ، وإجراءات وطرائق ، تكون لازمة ، وملائمة ، وضرورة لتحقيق المصالح الحيوية للدولة والأمة ، تعجز عن تحقيقها أحكام الفقه العام . وفي هذه الطريقة مجال واسع للاجتهاد لما في السياسة التشريعية من المرونة والسعة بحيث تستجيب لمقتضيات حاجات الأمة والدولة في كل عصر « 1 » .
ونحن قد عرضنا عليك الخصائص العامة للفقه الإسلامي في هذا العهد الذي نؤرّخ له ، وتناولنا فيه مصادره وخصائصه ومميزاته ضاربين عليها الأمثلة المتعددة لكل ما سردناه فإنه لم يبق أمامنا قبل الرد على آراء المستشرقين حوله إلا بيان خصائصه الإجمالية التي تتحدد في سريان مبدأ الشورى بين الصحابة إبّان اجتهادهم في المسائل المطروحة أمامهم والتي استطاعوا بها استنباط العديد من الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية وهذا المبدأ الديمقراطي نصّ عليه الإسلام وطبّقه المسلمون في سائر مناحي حياتهم فوصلوا به إلى العلا ، وعندما تركوه واستكانوا إلى رأي الأقلية والطغاة أصبحت حالتهم يرثى لها . ومما ساعد الصحابة على تطوير الفقه اجتماعهم بالمدينة فكانوا يتشاورون في جميع الأقضية المعروضة عليهم لسهولة جمعهم واستشارتهم ، وقد فعل عمر بن الخطاب حسنا عندما حبسهم عنده حتى لا يتفرقوا في الأمصار ، وسوف نرى في البحوث المقبلة أثر تفرّقهم ذلك في تطوّر الفقه . ويمتاز هذا العصر
هامش
( 1 ) د . محمد فتحي الدريني ، البحث السابق ، ص 4 ، وقد استند في قوله إلى الموافقات للشاطبي ، ج 2 ، ص 13 وما يليها ، وإلى كتاب السياسة الشرعية والفقه الإسلامي للشيخ عبد الرحمن تاج ص 5 وما يليها ولم يذكر لنا مكان النشر أو سنته للتوثيق ، كما لم يشر إلى كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية وكذلك إلى كتاب « الطرق الحكمية » لابن قيم الجوزية اللذين عالجا هذا الموضوع باستفاضة وعمق .