جعلها سبيلا إلى الآخرة « 1 » . ومثال ذلك اجتهاد الصحابة في تعطيل الحدود في أرض العدو إبّان العمليات العسكرية الفعلية . فقد عرف عن الرسول نهيه عن إقامة حدّ السرقة إبّان القتال أو السفر . ولكنه لم ينص على مثيلاتها في مثل هذه الظروف . وعندما حصلت وقائع تستدعي إقامة الحدود إبّان الفتح انتهى الصحابة إلى عدم تطبيق أي حدّ في أرض العدو ، وهم وإن اختلفوا في الأساس الذي بنيت عليه هذه الأحكام فإنهم اتفقوا في الأحكام ذاتها . ولكنهم وجدوا أن العلة في ذلك إلحاق الضرر بالمسلمين إذ ربما ينضم المقام عليه الحدّ إلى الأعداء ، أو لا يقوم بواجبه القتالي لما أضمر في نفسه من ضغينة لإقامة الحد عليه . وقال أبو يوسف : « بلغنا أن عمر رضي اللّه عنه أمر أمراء الجيوش والسرايا ألا يجلدوا أحدا حتى يطلعوا من الدرب قافلين ، وكره أن تحمل الحدود حمية الشيطان على اللحوق بالكفار » « 2 » وكزيادة عقوبة شارب الخمر التي لم يرد في القرآن أو السنّة الصحيحة تقدير لها فاعتبرت من الجرائم التعزيرية في أرجح الآراء .
وقد تفاوتت هذه العقوبة زمن النبي من ضرب بدون تحديد وبأدوات مختلفة كالجريد والنعال وغيرها إلى أربعين جلدة في عهد أبي بكر الصدّيق ، ثم إلى ثمانين جلدة في عهد عمر بن الخطاب ، والذي قاد الصحابة إلى زيادة العقوبة - عقوبة شارب الخمر - إلى هذا الحدّ هو استهانة الناس بالعقوبات الأولى ، وقاسها الإمام عليّ على عقبة القذف « 3 » .
ولعلّ ما ذهب إليه عمر من زيادة عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين جلدة لتحقيق المصلحة من العقوبة حتى تكون زاجرة رادعة . ولكن عثمان لم يلتزم بهذه العقوبة وخفّضها إلى أربعين عندما جلد الوليد بن عقبة بن أبي معيط .
ومن الأمثلة التي تضرب لهذا النوع من الاجتهاد « فيما لا نصّ فيه » تضمين الصنّاع الذي لم يكن معمولا به إبّان عهد الرسول لقوله « لا ضمان على مؤتمن » وذلك لغلبة الأمانة على الناس . وعندما ضعف الوازع الديني عند بعض الصنّاع أمر عليّ بتضمين الصنّاع لقوله : « لا يصلح الناس إلا ذاك » « 4 » . وكمنع النساء من الخروج إلى المساجد الذي كان مباحا في عهد الرسول عندما كانت القلوب عامرة بالتقوى
هامش
( 1 ) د . محمد فتحي الدريني ، البحث السابق ، ص 3 .
( 2 ) أبو يوسف ، الخراج ، ص 212 ذكره د . عبد العظيم شرف الدين ، المرجع السابق ، ص 100 .
( 3 ) ابن قيم الجوزية ، أعلام الموقعين ، ج 1 ، ص 183 وقد نقلنا إليك الفكرة بتصرف شديد وبأسلوبنا الشخصي .
( 4 ) البيهقي ، السنن الكبرى ، طبعة أولى ، حيدرآباد ، 1352 ه ، ج 6 ، ص 122 .