كذلك بالتعرّض إلى الحوادث النازلة ، وكانوا لا يتوسعون في الأحكام الخيالية والاحتمالية . وكانت حرية الرأي من سمات هذا العصر ، فكان المجتهدون يحترم بعضهم آراء بعض ، ولا يرد مجتهد رأيا إلا لدليل أقوى منه من كتاب أو سنّة . كما لم يكن في هذا العصر فقه مدوّن لأن الأحكام كانت عبارة عن أقضية وفتاوى محفوظة في صدور الرواة ، ومروية عنهم كما تروى الأحاديث ولم يكتب منها شيء ، وقد اشتهر بالفتوى في هذا العهد الخلفاء الأربعة ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وعائشة أم المؤمنين ، وغيرهم من كبار الصحابة .
ونحن إذ عرضنا عليك ذلك كله فإننا نكون قد تعرّضنا للعديد من شبهات المستشرقين الذين حاولوا التقليل من أهمية الفقه في هذا العهد ، والذين رأوه لا يزال فتيّا مختلطا بالعادات والأعراف العربية القديمة ، والذين اعتبروه تقليدا واستنباطا عن المؤثرات الخارجية الدخيلة على الحضارة الإسلامية ، والذين نظروا إليه متخلفا من الناحية الفنية الصرفة . ومع ذلك فإننا سنرد على شبهات هؤلاء المستشرقين طبقا لما أوردناه من آرائهم في بداية هذا المطلب .
أشرنا آنفا إلى ما ذهب إليه « جولدزيهر » من أن تطوّر الفقه عائد إلى « مواجهة » الحاجة الضرورية في الحياة العامة ، وأن الإسلام في كل العلاقات لم يأت إلى العالم بطريقة كاملة . وذكر في مناسبة أخرى أن الناس في بلاد فارس والشام ومصر كانوا يوفقون بين تقاليد وعادات هذه البلاد ذوات الثقافات المختلفة . وبين هذه القوانين الجديدة . وبالجملة فإن الحياة الفقهية الإسلامية سواء في ذلك فيما يتعلق بالدين أو فيما يتعلق بالدنيا أصبحت خاضعة للتقنين ، والقرآن نفسه لم يعط من الأحكام إلا القليل ، ولا يمكن أن تكون أحكامه شاملة لهذه العلاقات غير المنتظرة كلها مما جاء عن الفتوح ، فقد كان مقصورا على حالات العرب الساذجة ومعنيّا بها ، بحيث لا يكفي لهذا الوضع الجديد « 1 » .
والحقيقة التي لا مراء فيها أن الإسلام جاء إلى العالم بطريقة كاملة نظم بها شؤون الدين والدنيا ، وأن القرآن قد جاء بالمبادئ الكلية تاركا التفاصيل والجزئيات
هامش
( 1 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، المرجع السابق ، صفحات 36 ، 37 ، 39 من النسخة المترجمة .