وقد يتفاوت الصحابة في العلم بالناسخ والمنسوخ ، فقد يعلم الصحابي بالحديث المنسوخ دون الناسخ فيفتي بمقتضى الحديث المنسوخ لعدم علمه بالناسخ ، بينما يعلم صحابي آخر بالحديث الناسخ فيفتي به ؛ كحديث تطبيق اليدين في الركوع طبقا لما أوردناه عن فعل ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص .
وكما اختلف الصحابة في فهم السنة وفي الناسخ والمنسوخ منها ، فقد اختلفوا أيضا في الثقة بالرواة ، فمنهم من يقبل بعض الرواة ويرد بعضهم الآخر ، فينشأ عن ذلك خلاف في الاجتهاد والفتيا . يضاف إلى ذلك اختلافهم في فهم حكمة التشريع التي أتت بها الأحاديث فتختلف الفتيا بسبب الاختلاف في فهم تلك الحكمة ، كاختلافهم في حكمة تشريع الطواف حول مكة هل حصل ذلك لظرف طارئ أو أنه كان تشريعا أبديّا « 1 » ؟
بجانب الاختلاف في فهم القرآن والسنّة ، اختلف الصحابة في القضايا عند إعمالهم الرأي فيها مما لم يرد بشأنها نصّ في الكتاب أو السنّة . وهم إذ يفعلون ذلك فإنهم كانوا يستخدمون عقولهم بما يرونه أقرب إلى تحقيق المصلحة وإلى روح التشريع الإسلامي . كإفتاء عمر بوقوع الطلاق الثلاث مرة واحدة لأن الناس قد استعملوا أمرا كانت لهم فيه أناة . وكتحريمه على من تزوّج امرأة في عدّتها أن يتزوّج بها مرة أخرى بعد التفريق بينهما زجرا له « 2 » ، وقد خالفه « عليّ » في هذه الفتوى وعندما قدم حجته في ذلك رجع عمر عن قوله السابق .
وقد كان لاختلاف الظروف والمناسبات أثره في اختلاف الصحابة في استنباط الأحكام الشرعية . وآية ذلك أن سائر الأحكام الشرعية قد شرّعت لتحقيق المصالح العامة والفردية . وهذه المصالح قابلة للتأثر والتبدّل نظرا لتبدّل وتغيّر الظروف . كمسألة الإبل التي ترعى في أرض اللّه دون معرفة مالكها الحقيقي ، فمنع الرسول التقاطها ما دامت ترد الماء وترعى الشجر حتى يأتيها مالكها . وظل هذا الأمر ساريا حتى عهد عثمان الذي تبدّلت فيه النفوس فخشي الخليفة الثالث من استيلاء الناس عليها فأمر بجمعها وبيعها والاحتفاظ بثمنها حتى يسلّمها إلى مالكها ، واتبع عليّ نفس الطريقة إلّا
هامش
( 1 ) عبد العال عطوة ، المرجع السابق ، ص 230 .
( 2 ) الشيخ محمد الخضري ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 106 .