ورد بشأنها نص في الكتاب أو السنّة أو المصلحة ، وبالتالي فقد اعتبر مصدرا ثانويّا من مصادر التشريع وليس مصدرا أصيلا .
حفل هذا العهد بكثرة الفتاوى ، وإيجاد الحلول للمشاكل المطروحة التي تعدّدت وتباينت بسبب الاتساع في الفتوحات ، وتزايد القضايا العملية بمختلف أنواعها عمّا عهده العرب في بداية الدعوة الإسلامية . إضافة إلى عدم تضمن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية للحلول الجزئية لجميع المشاكل الجديدة ، الأمر الذي دعا الخلفاء الراشدين والصحابة في زمانهم إلى تلمس الحلول لهذه الحوادث والنوازل . ولكن يلاحظ المرء أن هؤلاء القوم سواء أكانوا من الخلفاء أم من الصحابة قد اختلفوا في العديد من الفتاوى التي قدموها كحل للمشاكل المطروحة عليهم . غير أن هذا الاختلاف لا يعدّ تناقضا في قضية واحدة كما ذهب إلى ذلك المستشرقون ، لأن السبب في هذا الاختلاف يكمن في عوامل موضوعية لا مناص لنا من الإقرار بها والإشهاد على مصداقيتها ، وقوة حجيّتها ، وضرورة حدوثها ، وعلينا الإشارة باقتضاب إليها حتى لا يتخذ المستشرقون من هذا الاختلاف مطية يتطاولون بها على الشريعة الإسلامية .
ولعلّ أهم أسباب اختلاف الصحابة في الاجتهاد اختلافهم في فهم القرآن لاشتماله على نصوص قطعية الدلالة ، فلا تحتمل أكثر من معنى واحد كالألفاظ الدالّة على الأعداد التي بيّنت عقوبة الزاني المحض بمائة جلدة ، والتي بيّنت عقوبة القذف بثمانين جلدة ، والتي فرضت أنصبة الميراث والزكاة وغيرها فإنه لا خلاف فيه . ولكن القرآن يشتمل بالإضافة إلى ذلك نصوصا ظنيّة الدلالة وهذا النوع يحتمل أكثر من معنى ، وهو مجال لاختلاف الصحابة ، ومثال ذلك ورود لفظ يحتمل أكثر من معنيين مثل « قروء » التي فهم منها عمر وابن مسعود أنه الحيضة ، بينما فهم منها زيد بن ثابت أنه الطهر ، ولكل فريق حجته « 1 » .
وقد يرد الاختلاف في فهم نصوص القرآن عند ورود حكمين مختلفين لموضوعين يظن أن يشمل أحدهما بعض ما يشمله الآخر فيتعارضان في ذلك الجزء ، مثل آية « معتدّة الوفاة » فقد أوجبت أن تتربص أربعة أشهر وعشرا ، ويظن شمولها للحامل وآية الطلاق جعلت عدة الحامل وضع الحمل ، فمعتدة الوفاة الحامل مترددة
هامش
( 1 ) الشيخ محمد الخضري ، تاريخ التشريع الإسلامي ، الطبعة الثامنة ، 1967 ، المكتبة التجارية الكبرى ، القاهرة ، ص 104 - 105 .