عبد اللّه بن مسعود يديه في الركوع ويضعهما بين فخذيه تقليدا للنبي ، ورفض ابن وقاص هذا العمل لاطلاعه على ما ينسخ التطبيق وهذا الرأي أخذ به جمهور الفقهاء « 1 » .
ومن الصحابة من كان لا يعمل بالحديث لمعارضته لما هو أقوى منه في نظره ، كحديث أبي هريرة : « من حمل جنازة فليتوضأ » الذي رفضه ابن عباس الذي قال : « لا يلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة » « 2 » .
والاختلاف في رواية الأحاديث والثقة برواتها من عدمه كان سببا رئيسا في اختلاف الصحابة في استنباط الأحكام الشرعية كما سنرى مستقبلا .
هناك مصدر تشريعي ثالث بالإضافة إلى القرآن والسنّة في هذا العهد ، ألا وهو الاجتهاد الفردي الذي يكون في الحوادث الجزئية التي يتيسر فيها الوصول إلى الحكم الشرعي عن هذا الطريق كإقرار الرسول اجتهاد « معاذ » الفردي في المسائل التي لا نصّ يعالجها في القرآن أو السنّة . وبجانب الاجتهاد الفردي هناك الاجتهاد الجماعي الذي أشرنا إليه ، والذي أشار فيه الرسول إلى أصحابه أن يجمعوا الناس للاستشارة في قضية معينة فيصلون فيها إلى رأي سديد . وهذا النوع من الاجتهاد هو الذي تطور إلى مفهوم « الإجماع » الذي يعتبر مصدرا رئيسا من مصادر الفقه الإسلامي .
ونحن وإن كنا سنتعرّض لهذا المصدر في مباحث مقبلة بشيء من التفصيل والتحليل ، إلا أنّنا نود أن نلاحظ في هذا السياق أن هذا المصدر قد نشأ وتطوّر بعد وفاة الرسول إذ لا إجماع في حياته ، ثم إنه كان سهلا ميسورا في هذا العهد الذي نؤرخ له لسهولة جمع الصحابة واستشارتهم في الحوادث والنوازل التي تنزل بهم ، ولكن المعايير الموضوعية والعملية لهذا المصدر التشريعي قد تعقّدت في العصور اللاحقة ، حتى أصبح التساؤل القائل بعدم وجوده ورفضه محل نظر .
والإجماع في هذا العهد وفي غيره من العهود لا يعتبر مصدرا مستقلّا من مصادر الفقه الإسلامي ، لأنه لا يمكن اللجوء إليه إذا وجد في القضية المجمع عليها نص من كتاب أو سنّة ، وأنه يعتمد على القياس إذا كانت الحادثة موضوع الاجتهاد تشبه حادثة
هامش
( 1 ) الشوكاني ، نيل الأوطار ، ج 2 ، ص 204 .
( 2 ) زكي الدين شعبان ، المرجع السابق ، ص 65 .