تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
إلى هذا ذهب « كولسون » عندما أشار إلى أن مهمة تفسير الأحكام القرآنية لم تكن مقصورة على الخلفاء الراشدين ، ولكنها منوطة كذلك بكبار الصحابة من أهل الرأي والمشورة والذين رآهم قد ساهموا مساهمة فعّالة في تطوير الفقه الإسلامي في هذا العهد بما صدرت عنهم من آراء كثيرة في تفسير نصوص الأحكام من القرآن والسنّة ، وما صدرت عنهم من فتاوى عديدة بأحكام في وقائع لا نصّ فيها والتي تعتبر أساسا للاجتهاد والاستنباط . ونحن نرى أن هذا الواجب التشريعي الذي قام به كبار الصحابة من بيان نصوص الأحكام ونشرها ، والإفتاء في أقضية لا نصوص فيها لم يكن أمرا صادرا إليهم من الخلفاء الذين يمثلون الرأي الرسمي للدولة الإسلامية ، كما لم يستندوا فيه إلى شرعية هؤلاء الخلفاء في تلمّس الحلول للمسائل المطروحة باعتبارهم أولياء أمر المسلمين . ولكنهم قاموا به نتيجة خصائصهم ومؤهلاتهم وصفاتهم الشخصية التي امتازوا بها . فقد صحبوا الرسول سنين طويلة واستمدّوا منه العديد من الأحكام ، وعرفنا سبب نزول الآيات القرآنية وظروفها ، وكثيرا ما باشروا تقديم الرأي والمشورة في عهد الرسول بما يقدمون له من اجتهادهم الشخصي والذي كان يشجعهم عليه لتدريبهم وتمرينهم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، ولما يمتازون به من ثقة ، وتقوى وورع جعلهم أهلا لتبوّء هذه المكانة التشريعية العالية فأثروا الفقه الإسلامي ، وساهموا في تطويره ، والدفع به خطوات حثيثة إلى الأمام . ومما ساعد الصحابة على القيام بهذا الدور التشريعي الهام سريان مبدأ الشورى فيما بينهم ، الذي هو تعبير صريح عن ممارسة الديمقراطية المباشرة باسمي معانيها فالرأي الصادر عن الجماعة كلها أقرب إلى الصواب من الرأي الفردي مهما كانت عبقرية قائله ، يضاف إلى ذلك أن أولئك الصحابة كانوا موجودين في المدينة ، ولم يتفرقوا في الأمصار ، ومنعهم عمر بن الخطاب من مغادرة عاصمة الخلافة للاستعانة بهم ، وقد كان لاجتماعهم في مكان واحد أثره في إثراء الفقه الإسلامي وتطويره . كما أن الصحابة لم يكونوا متوسعين في تقرير المسائل والإجابة عنها ، فكانوا يقتصرون على الحوادث التي يستفتون فيها ويتلمّسون لها الحلول ، ويرفضون الإجابة عن المسائل الفرضية المحتملة ، وهذا هو سرّ نجاحهم في هذا المضمار إذ لو شغلوا بالفرضيات والقضايا الخيالية لما انتهوا بسرعة إلى تقرير الحلول للواقع التطبيقي العملي .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 249 | ساسي سالم الحاج